فهرس الكتاب

الصفحة 21458 من 27364

رسالة وهدفاً، وكذلك لا يناقض هذا الحديث تحالف رسول ا صلى الله عليه وسلم مع قبيلة"خزاعة"ضد"قريش"و"بكر"فإن صلى الله عليه وسلم كان بهذا يمثل جبهة سياسية في مقابل جبهة أخرى، وكان لا بد للرسول من أن يقبل من ينضم إليه، وينضوي تحت لوائه، ويطلب حمايته، ولو كان هذا الطالب من الكفار ما دام أنه آثر الانضمام والالتجاء إلى أهل الإسلام، والقتال تحت رايتهم، واللياذ بهم.

وفي هذه المسألة تفصيل ليس هنا مكان شرحه وبسطه، والمهم الآن هو بيان أن جبهة الإسلام في مقابلة الكفر لا يشترط أن تكون إسلامية خالصة بل إن كان من آثر أن يكون في جانب المسلمين فإنه لا يدفع ويطرد بل يقبل وينصر، ويدافع عنه، ما دام أنه قد آثر صف المسلمين، وأحب نصرهم، واختارهم على غيرهم.

ومثل هؤلاء ليس من الدين بل ولا العقل والمنطق أن يطردوا ويزجروا، ويمنعوا من الوقوف في صف المسلمين، ونصرهم للدين، مهما كانت نياتهم وأغراضهم، اللهم إلا أن يكونوا عملاء للكفر مدسوسين في صف المسلمين، فهؤلاء شأنهم شأن آخر يجب الحذر منهم وعدم اتخاذههم بطانة، كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالاً قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون} (آل عمران:18) .

ولا شك أن هناك فرقاً شاسعاً بين من يلوذ بالمسلمين محباً لهم راغباً في نصرهم وإن كان على غير دينهم وملتهم، وبين من يلجأ إلى المسلمين مريداً فتنتهم، وشق صفوفهم والتطلع على عوراتهم.. ولا شك أنه لا يخفى حال هذا وهذا الواجب هو الحذر والحرص ووضع كل أمر في نصابه، وعدم الحكم على الصنفين بحكم واحد، وجعل كل من ليس مسلماً على نمط وشكل واحد، فإن هذا ينافي السياسات الشرعية بل الحكمة والعقل.

تاسعاً: قنوات الاتصال يجب أن تكون مفتوحة مع الجميع:

شاع عند المسلمين في الآونة الآخيرة، وعند الدعاة منهم والمتحمسين للدين بصورة خاصة أنه لا يجوز الاتصال مطلقاً بالكفار أعني بالجهات السياسية منهم، وهم يتصورون أنه في ظل دولة إسلامية لا تكون علاقة دولة إسلامية مع الكفار إلا عن طريق الحرب فقط، وأنه ليس هناك لقاء مطلقاً، وهذا خطأ بالغ وجهل بالسيرة والتاريخ والسياسة الشرعية في التعامل مع غير المسلمين، فالرسو صلى الله عليه وسلم كانت قنوات الاتصال بينه وبين الكفار على اختلاف أشكالهم قائمة، فقد جلس مع اليهود وجادلهم، وناقشهم، وعاهدهم، ثم حاربهم لما نقضوا عهده، وانتصر على بعضهم ثم عاهدهم كما حدث مع يهود خيبر، حيث أقرهم الرسول في خيبر وشارطهم على نصف ثمارها.. وكان الاتصال بهم دائماً في حدود ما شورطوا عليه، وكذلك فعل الرسول مع النصارى، ناقشهم واستضاف بعضهم وأمنهم على أنفسهم كما حدث مع"عدي بن حاتم الطائي"، ودعاه للإسلام، وكذلك ناقش نصارى"نجران"وعاهدهم وصالحهم، وكذلك مع جميع أصناف المشركين في الجزيرة: وادع بعضهم، وعاهد آخرين، وحارب بعضاً منهم ممن آثروا حربه، ووضع الحرب بينه وبينهم كما فعل مع"قريش"في"الحديبية"، ثم حاربهم عندما نقضوا عهده، ثم عفا عنهم وهم ما زالوا على كفرهم بعد أن انتصر عليهم.

وكذلك فتح الرسو صلى الله عليه وسلم قنوات الاتصال مع كل ملوك الأرض في الجزيرة العربية وخارجها يدعو ويعظ ويرسل الرسل، ويستقبل رسلهم، ويكرمهم على كفرهم وبقائهم على دينهم، ويؤمنهم في أرض الإسلام، ويقبل هدايا الملوك التي يرسلونها له وهم على كفرهم، ولا شك أن طائفة عظيمة جداً من الدعاة اليوم يجهلون أموراً كثيرة من ذلك، وإن قرأوها في السيرة لا يدركون معانيها، بل إن كثيراً منهم ليظن أن مجرد لقاء بين مسلم ويهودي، أو مسلم ونصراني، أو قبول هدية، أو عقد مناظرة، أن كل ذلك يناقض الدين، بل قد يتهم من يفعل ذلك بالمروق والكفر والعمالة والخيانة.. الخ، والحق أن الاتصال السياسي في نفسه بين أي مجموعة أو جماعة أو حكومة إسلامية، وبين كفار ليس إثماً في ذاته ولا كفراً ولا مروقاً ولا عمالة وإنما المهم ما يقال وما يتفق عليه، وما يتم من عهود ومواثيق، وما يتوصل إليه من نتائج.

ولا يتصور مطلقاً أن تكون هناك هيئة سياسية إسلامية ولا علاقة بينها وبين غير المسلمين إلا القتال، بل إن القتال نفسه لا بد فيه من إنذار ورسل، وإستقبال رسل منهم، ودعوة إلى الإسلام.. وقبول بالعهد، والسلم، إن كان هذا في صالح الجماعة المسلمة، فكيف إذا كان اللقاء مع فئة غير إسلامية من أجل دعوة، أو تسوية مشكلة، أو تعاون على بر، أو مناظرة حول قضية مختلف فيها، أو تشاور فيما ينفع الطرفين.. ونحو ذلك.

إن اللقاء بين مسلمين وكافرين، أو مخالفين، مهما كان خلافهم ليس إثماً في ذاته ولا يدان به شخص وإنما الاثم حقاً، والإدانة: أن يكون هناك اتفاق ضد مصلحة المسلمين، أو تعاون على الإثم والعدوان، أو تفريط في عقيدة حقة، أو إقرار لعقيدة باطلة ونحو ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت