فهرس الكتاب
لا يجوز أن يكون نصر الدين قاصراً على المخلصين المؤمنين بل الله -سبحانه وتعالى- ينصر دينه بمن يشاء، ويؤيد دعوته بمن يريد، وقد يكون فيمن يؤيد الله بهم دعوته مؤمنون صالحون لهم أجرهم عند الله، وكذلك قد يوجد فيهم، فجار وكفرة يستعملهم الله لخدمة هذا الدين، ولا يكون لهم مثقال ذرة من أجر يوم القيامة. وفي هذا يقول صلى الله عليه وسلم [إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر] (رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة) ، وفي رواية: [وبأقوام لا خلاق لهم] أي لا نصيب لهم من الأجر يوم القيامة، وقد قال هذا بمناسبة أن رجلاً قاتل مع المسلمين -بشجاعة- في أحد وأبلى في الكفار بلاءً حسناً، ولكن الرسول شهد له بأنه من أهل النار. والعبرة ولا شك بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فقد يكون من الكفار والفجار أناس يخدمون الإسلام خدمة عظيمة جليلة في رد عدوان، أو حماية مسلم، أو رفع ظلم عن المسلمين، أو نشر القرآن، أو طبع كتب أو كسر شوكة الكفار، ويكونون في كل ذلك غير مخلصين في عملهم، مبتغين غير وجه الله بجهادهم، أو غير مؤمنين بالإسلام أصلاً، وقد يكون بعض هؤلاء مناصراً للمسلمين لبعض منافعه الخاصة، فكثير من النصارى انضم إلى المسلمين -يقيناً منهم- أن منفعتهم في أن يكونوا في صف المسلمين، أو جاهدوا مع المسلمين عصبية لعربية أو وطن، وكان لجهادهم هذا أثر بالغ في نصر الدين، وإعزاز رسالة رب العالمين، ومثل هؤلاء لا يجوز بتاتاً صرفهم عن نصرة الدين، ولا رفض جهادهم ونصرتهم ما داموا أنهم متبرعون بها، قائمون بها من عند أنفسهم. أقول هذا لأننا سنجد كثيرين ممن يتطوعون بأنفسهم لنصرة الدين، لا رغبة في الدين نفسه، ولا إخلاصاً للعمل لوجه الله، ولكن لأن مصالحهم الدنيوية قد ترتبط مع انتصار الإسلام، أو لأن ظروفهم وارتباطاتهم تضعهم كذلك، وقد يكون هذا منهم اختياراً لأقل الضررين، وقد حدث هذا كثيراً في السيرة والتاريخ. ف صلى الله عليه وسلم لم يرفض نصرة عمه أبي طالب، وكان قد مات على دينه، ولقد انتصر الإسلام بمن شقق الصحيفة التي كتب بها المشركون مقاطعة بني هاشم، والذين شققوها هم من الكفار أنفسهم. وكذلك قاتل في أحد من كان مصيره النار. وقال فيه الرسول: [إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، وبأقوام لا خلاق لهم] . وخرج منافقون كثيرون في الغزو مع الرسول وما كان رسول الله ليشق بطونهم، ويفتش عن خبيئاتهم، ويرجع من لا يظهر الإخلاص منه، وكذلك تحالف الرسول مع"خزاعة"وهم كفار بعد صلح الحديبية، ونصرهم عندما اعتدت عليهم"بكر"وهم حلفاء"قريش"، وكذلك وقف بعض نصارى العرب مع المسلمين في حرب"الفرس"، انتصاراً للعرب، وحمية لقومهم، ومثل هذا لا يجوز للمسلمين رفضه مطلقاً، بل من سار منهم مختاراً في ركب الدين، وأراد أن ينصر رسالة رب العالمين، وينضوي تحت لواء المسلمين، ويحارب في صف المؤمنين فإنه لا يمنع من ذلك، ولا يحال بينه وبين ما أراد من نصر الدين، بدعوى أنه غير مخلص أو أنه لا أجر له عند الله، أو أنه كافر أو فاجر لا خلاق له في الآخرة. فإن الله -سبحانه وتعالى- ينصر دينه بمن يريد، ويسخر عباده كما يشاء، ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض، وقد يدفع الله عن المؤمنين بالكافرين، وقد ينصر الله المؤمنين بأن يسلط الكفار بعضهم على بعض والحكم لله أولاً وأخيراً وبالطبع لا يعارض هذا قوله صلى الله عليه وسلم [اذهب فإني لا أستعين بمشرك] (متفق عليه) . لأن ذلك رجل جاء يشترط على الرسول أن يحارب معه ويقتسم معه في المغنم لأن هذا يرفع راية مع راية الرسول ويجعل من المسلمين الخارجين للغزو وكأنهم جماعة تريد الغنيمة، وتقطع الطريق وتستعين بالانتهازيين وطلاب الدنيا، والفرق هائل بين هذا وهذا وبين ما قررناه -آنفاً- من شخص أو أشخاص يتطوعون بأنفسهم لنصر الدين، ويحاربون تحت راية المسلمين ولا يشترطون على المسلمين شيئاً يناقض أهدافهم، أو يرفعون مع راية الإسلام راية ثانية. وشتان بين هذا وهذا، وعلى كل حال فالحديث هذا إن قلنا أن العبرة بعموم لفظه فهو مخصص بمخصصات كثيرة: فقد استعار رسول ا صلى الله عليه وسلم من صفوان بن أمية أدراعه وهو كافر وقال له الرسول صلى الله عليه وسلم [بل هو عارية مضمونة مستردة] (رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي) . واستعان بخريت (عارف بالطريق) من"بني الديل"ليدله على الطريق من مكة إلى المدينة، وفدى أسرى"بدر"بتعليم أبناء المسلمين للقراءة والكتابة.. الخ. ومثل هذه مخصصات كثيرة عند من يقول: إن هذا داخل في باب (الاستعانة) ، وإلا فحديث [اذهب فإنا لا نستعين بمشرك] إنما هو في مثل تلك الحالة التي جاء فيها هذا الأعرابي يعرض على صلى الله عليه وسلم أن يشاركه الغزو، ويقاسمه الغنيمة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم [اذهب فإنا لا نستعين بمشرك] وذلك بعد أن عرض الرسول عليه الإسلام فرفض. ولو قبله الرسو صلى الله عليه وسلم بمثل هذا العرض الذي عرضه لكان هذا قدحاً في الجهاد الإسلامي ولكانت صورته صورة غزو من أجل المغنم وليس الأمر كذلك، فإن للمسلمين