فهرس الكتاب
والشاهد أن الله قص علينا كيف طغى فرعون وتكبر وملأ الأرض فساداً ثم بين أنه لإزالة هذا الفساد بدأ وضع بذرة الخير في مولود يولد ثم يتعرض لأصناف من البلاء والفتون ثم يعود ليكون المخلص في سلسلة متأنية من الأحداث تربي الفئة المؤمنة وتمحصها وتخلصها في النهاية حسب إرادة الله. وقد كان الزمن والأيام في كل ذلك هو طريق الخلاص {قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين} (الأعراف:128) .. وقال له قومه {أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون} (الأعراف:129-130) ، ولقد قال رسولنا ما يشبه ذلك عندما قال لخباب: [ليوشك أن تخرج الظعينة من صنعاء اليمن إلى بصرى الشام لا تخاف إلا الله] (رواه البخاري ومسلم) .
وأبلغ شاهد على ذلك قوله تعالى: {محمد رسول الله والذين معه} وذكر صفتهم ثم قال عز وجل: {مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار} الآية (الفتح:29) .
فإذا ألقينا بذرة الدعوة وتعهدناها، وصبرنا عليها وجعلنا الأيام في صالحنا، حيث نضيف كل يوم عضواً جديداً إلى معسكر الإسلام، ويفقد معسكر الكفر كل يوم عضواً، عند ذلك تكون العاقبة للمتقين، فلنكن زراعاً مهرة، ولتكن الأيام والزمن أعظم حليف لنا، وحذار أن تكون في صالح عدونا حيث نهمل دعوتنا، ونترك غرستنا فتكون النهاية علينا.
سادساً: نحن نضرب بسيف الله:
المؤمن إذا أخلص النية وأصلح القصد، وتحرى الصواب، وأفرغ الوسع، فإنه يضرب بسيف الله، ويتكلم بنور الله وكلمته، قال تعالى: {بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق} (الأنبياء:18) ، وهذا الحق هو ما ينطق به الرسل وأتباعهم. وقال تعالى: {فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت ولكن الله رمى..} (الأنفال:17) ، والحال أن الذين قتلوا في بدر من المشركين قتلوا بسيوف في أيدي المؤمنين من الأنصار المهاجرين ولكن هؤلاء كانوا يضربون بسيف الله ويقتلون بأمر الله ومشيئته. بل كانوا هم سيف الله وقدره ومشيئته، وأمره الشرعي والكوني القدري.
وهكذا أهل الإيمان في كل عصر ومصر إذا أفرغوا الجهد وأخلصوا النية، وقاموا لله كانوا هم مشيئة الله وقدره. كما قال تعالى: {ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون* وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة..} الآية (الأنفال:59-60) . فأخبر أن الكفار لا يعجزوه وبين أنه يقتلهم بأيدي المؤمنين، ولذلك أمر أهل الإيمان بالاستعداد لهم.
سابعاً: لا راية مع راية التوحيد:
لا يجوز مطلقاً لأهل التوحيد والإيمان أن يرفعوا راية أخرى مع راية التوحيد، وهذا يعني أنه لا يجوز بتاتاً الانصهار أو الاندماج أو تكوين صف واحد مع أحزاب أو هيئات ترفع راية وعلماً ولهم أهداف في الحياة تخالف هدف الإسلام كالشيوعية والبعثية ونحوها من الأحزاب الإلحادية اللادينية أو التي يسيرها ملاحدة لا دينيون أو مشركون وثنيون من أهل التصوف والتخريف بل يجب على أهل الإسلام والتوحيد أن يرفعوا رايتهم المستقلة ولو لم يكن تحتها إلا رجل واحد، وإن يعلنوا عقيدتهم المستقلة ولو لم يكن لهم أنصار قط، وحسبهم الله معيناً وناصراً سبحانه وذلك أنه إن حصل إندماج أو تعاون وحلف يتوازى فيه التوحيد والشرك، والإيمان والكفر فإنه لا بد أولا وأن يحصل تنازل عن بعض الحق، ثم أن نتغاضى عن بعض الباطل بل قد نؤيده ونعلي مناره، ثم لا بد من الانفصال في نهاية المطاف لأنه سيكون أشبه برجل يتزوج امرأة وكل منهما طامع في ثروة الآخر، وطامع في أن يرث ماله فكيف تتصور الحياة الزوجية، لا شك أن كلاً منهما سيكذب على الآخر، ويحاول خيانته في ماله، ويتمنى موته قبل نفسه، وقد يقتله إن سمحت له الظروف لينفرد بتركته وهذا ما يحدث غالباً في اتحاد الأحزاب الإسلامية مع غيرها من الأحزاب التي تقدم على عقيدة مضادة للإسلام، فهي تريد أن تنشر الكفر لتعيش وتبقى ويبقى جمهورها، والإسلاميون حريصون على نشر الإسلام لتتوسع قاعدتهم، وكل منهم يحاول خداع الآخر وسبقه، ولا بد وأن يأتي الإنفصام، وكثير ما يستغل المسلمون، ويكونون مطية لهؤلاء المخادعين لأن أهل الأحزاب الأرضية الكافرة أقدر على الكذب والمناورة، واللف والدوران، والغاية عندهم تبرر كل وسيلة ولو كانت خسيسة دنيئة، والخيانة تجري في دمائهم باسم السياسة، ولذلك فالحذر أن نرفع مع راية التوحيد راية أخرى للشرك والكفر والوثنية والإلحاد أو أن نكون مطايا لأهل الباطل ليصلوا إلى باطلهم وزورهم.
ثامناً: إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر: