فهرس الكتاب

الصفحة 21455 من 27364

وعندما نقول الأرباح والخسائر، والمصالح والمفاسد، فنحن نعني بالمصالح والمفاسد الشرعية، والأرباح والخسائر التي تمس الدين والعقيدة والمسلمين، ولا يجوز هنا النظر إلى أهواء النفوس ورغبات الدنيا، وإلا فالتكاليف الشرعية، وتكاليف الدعوة والجهاد خاصة تكرهها النفس كما قال تعالى في القتال: {كتب عليكم القتال وهو كره لكم} (البقرة:216) ، فالقتال مكروه والسيف فتنة، والحرب للمسلمين سجال يدالون ويدال عليهم، {وتلك الأيام نداولها بين الناس} (آل عمران:140) ، وفي الحرب من الخسائر ما فيها، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ما فيه من تحمل الأذى، وحصول الضرر، وخاصة في هذه الأيام التي أصبحت كلمة الحق فيها شاقة متعبة، وقد يكون قول كلمة حق واحدة يكلف الداعي روحه، أو الخروج من وطنه وأهله وماله، أو مصادرة حريته، وإيداعه السجن السنوات الطوال.. لا شك أن الجهاد والدعوة في سبيل الدين أمر مر يحتاج إلى صبر وجلد وليس مما تهواه النفوس، ولا شك أيضاً أنه لا يجوز ترك ذلك إيثاراً للدعة والراحة، وركوناً إلى السلامة والعافية، ففي هذا ولا شك أعظم الضرر والفساد، وليس هذا من المصالح الشرعية بحال، بل هذا مجلبة لسخط الله، وزيادة الشر والفساد، واندحار أهل الدين، وظهور أمر الكافرين والمنافقين، ودوران الدائرة على أهل الصلاح، واستئصال الخير، وضياع الدنيا والآخرة. وأرجو بهذا التوضيح أن يكون قد ظهر ماذا نعني بالمفاسد والمصالح الشرعية: أنه ليس الحفاظ على الفئة المؤمنة ساكتة هادئة وادعة حيث لا جهاد ولا عمل، ولا محاربة للباطل وحيث يصول الباطل ويجول...، لا بد من التضحيات ولكن ليكون بهذه التضحيات مزيد خير وبركة للأمة الإسلامية، فبالتضحيات تشتد العزائم، ويظهر صدق الدعاة، ويتعاطف الناس مع أهل الدين، ويعلو كعبهم في المجتمع ويزداد شرفهم، وترتفع درجاتهم في الجنة، ولذلك فلا دعوة إلى الله بغير تضحيات، ولا دون شهداء، وآلام، ولا نصر دائماً، بل لا بد لأهل الدين من نصر يشجعهم، وهزيمة تصقلهم، ويشتد بها عودهم، ويتعلمون معها الصبر والعزيمة، وينتفي عنهم الغرور والخفة والطيش.

وتلك سنة الله في الدعوات والرسالات. فالمهم في هذا الصدد أنه لا بد من التدبر في كل أمر والنظر في عواقبه، وبذل الجهد للشورى فيه، وألا يصدر المسلمون في أي خطوة من خطواتهم إلا عن خطة مدروسة ورأي قد استشير فيه واستنار تماماً لسالكه ولا بد أن يكون الدعاة في كل ذلك، شجعاناً بلا تهور، ومقدامين بلا انزلاق، وحكماء فقهاء يلبسون لكل حالة لبوسها، ويقابلون كل مقام بما يناسبه، ويزنون أمورهم بكل عقل وروية.

وهكذا كان رسولهم وقائدهم r الذي كان يأخذ لكل أمر عدته وأهبته، ويستشير أصحابه، ويحارب حيث يرجى نفع الحرب، ويسالم حيث يكون السلم أفضل وأرفق، ويعاهد حيث يفيد العهد، ويوادع حيث تنفع الموداعة، ويقدم حيث يحسن الإقدام، ويحجم حيث يكون الإحجام هو الحكمة والعقل، ويبرم أموره سراً حيث يكون للسرية معنى، ويصدع بأموره حيث الصدع هو الأولى والأحرى والأفضل، وهو في كل ذلك النبي الحكيم المتوكل على الله في كل شؤونه المتبرئ من حوله وقوته، المسلم أموره لله، الذي ينتظر فرجه ورضوانه.

وهذا الصراط الذي يجب أن يسلكه الدعاة إلى الله.

رابعاً: النتائج بيد الله:

يجب أن نعتقد أن نتائج الدعوة هي بيد الله -سبحانه وتعالى- فهو الذي يشرح صدر من يشاء من عباده لدعوته، وهو الذي يعز جنده إذا شاء، ويمن على أوليائه بالنصر وقتما يريد، أو يؤخر ذلك لحكمة يشاؤها ويريدها كما قال تعالى: {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء} (القصص:56) ، وقوله: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام} (الأنعام:125) ، وقوله: {إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده} (آل عمران:160) ، وقوله: {وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم} (الأنفال:10) ، وقوله: {ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين} (الأنعام:35) .

خامساً: الزمن جزء من العلاج:

يجب أن نعتقد أن الزمن أعظم معين للدعاة إن هم فهموه وعرفوا كيف يستغلونه، وكيف يجعلونه في صالحهم، وأنه كذلك قد ينقلب إلى سلاح ضدهم إن هم أساءوا فهمه واستغلاله. فبذرة الدعوة إذا تعوهدت بالسقي والحماية نمت وترعرعت وكانت الأيام لها عوناً وقوة حتى يأتي الوقت الذي تكون شجرة باسقة، ودوحة فينانة، وإن أهملت كانت الأيام وبالاً عليها حيث تذبل شيئاً فشيئاً ويقوى عدوها عليها يوماً بعد يوم حتى تموت، وقد شاء الله أن ينصر رسله حسب السنن الكونية في النماء والترعرع، قال تعالى: {إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين* ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون* وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه..} (القصص:2-4) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت