فهرس الكتاب

الصفحة 21454 من 27364

ولا شك أن طريق الحكم على وسيلة ما بأنها صالحة أو لا هو بمقدار ما تحققه من المصالح الشرعية، أو تخلقه من الأضرار والمفاسد. فالنظر في العواقب، وتدبر الأمور، وحساب الأرباح والخسائر الدينية، هو ما يجب النظر إليه، والتعويل عليه. بل إن الوسائل المشروعة نفسها في نشر الدعوة، وحرب الباطل لا يجوز الإقدام والإحجام عن شيء منها إلا بالنظر في العواقب، وحساب الأرباح والخسائر الدينية والشرعية، فالهجرة ليست مطلوبة لذاتها وكذلك الحرب ليست هدفاً في حد ذاتها، وإنما بما تحققانه من مصالح ومنافع للمسلمين كرد عدوان، وكسر عدوان، وفرار بالدين، وتفويت فرصة على الكافرين بخنق الدعوة، وإسكات صوتها، وهكذا تطلب الهجرة لمنافعها الشرعية، وتركب الحرب لآثارها الشرعية ومنافعها العظيمة وخيرها العميم، وما الشر الجزئي الذي يوجد في الحرب والهجرة، إلا تضحيات واجبة في سبيل منافع عظيمة، فهو من باب بذل القليل لحصول النفع الكثير. كما قال تعالى: {كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون} (البقرة:216) ، وقد أثبت سبحانه أن في القتال حياة للأمة الإسلامية ونشراً لعقيدتها وتمكيناً لها، وما الشهادة في سبيل الله إلا إتلاف للجزء من أجل حياة الكل وبذل القليل من أجل الحصول على الكثير ولذلك قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم} (الأنفال:24) ، وهذا في الدعوة إلى الجهاد، والقتال، فالقتال حياة وإن كان فيه موت وشهادة للبعض إلا أن فيه حياة للكل الباقي.

وهكذا يجب أن يكون النظر في كل خطوة من خطوات الدعوة، ووسيلة من وسائلها، وأسلوب من أساليبها.. كم يحقق من المنافع للأمة والدين والإسلام والمسلمين، وكم يحقق من المفاسد الشرعية، فإن كان النفع أعظم، والتضحيات والمفاسد أقل، كان العمل مشروعاً بل واجباً أحياناً، وأما إن كانت المفسدة أكبر والأضرار أعظم من المنافع فإن الواجب الاحجام. ومما يدلك على ذلك أن الرسو صلى الله عليه وسلم استشار أصحابه في قتال قريش في بدر أو الرجوع دون قتال عندما علم أن الهدف الذي خرج من أجله وهو اللحوق بعير أبي سفيان قد فاته بهرب العير من طريق آخر، ومجيء قريش لاستنقاذ تجارتها، فاضطر الرسو صلى الله عليه وسلم لاستشارة أصحابه ولو كان الأمر مجرد قتال أيا كانت النتائج، وكأنه أمر تعبدي صرف لا دخل للنتائج فيه لما استشار الرسو صلى الله عليه وسلم أصحابه ولقال لهم: قاتلوا أيا كانت النتائج، بل إن الرسو صلى الله عليه وسلم استشارهم وكل منهم بدأ يزن الأمور، ويقابلها: هل يقاتلون أم لا حتى تحقق لهم برأي أغلبيتهم أن القتال أولى من الفرار، فسر الرسو صلى الله عليه وسلم بذلك. ومع ذلك أخذ الحيطة والحذر واستحسن رأي سعد بن معاذ الذي رأى ألا يباشر الرسو صلى الله عليه وسلم القتال بنفسه وأن يكون له عريش في مؤخرة الجيش وعنده ركائب جيدة يستطيع بها الرجوع إلى المدينة إن حصلت هزيمة للمسلمين، وذلك حفاظاً على شخص صلى الله عليه وسلم وخاصة أن هناك في المدينة مسلمون كثيرون لم يخرجوا في الغزوة لأن الرسو صلى الله عليه وسلم كان متعجلاً للخروج ولم يخرج معه إلا من كان ظهره حاضراً.

والشاهد من هذه الواقعة أنه يجب النظر في الأمور وتقدير العواقب، وحساب الأرباح والخسائر الشرعية قبل ركوب أي أمر من الأمور، والإقدام على أية وسيلة من الوسائل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت