لكن نظراً لرغبة بعض الدول الخليجية في تخفيف حدة الانتقادات التي توجه لها بالتبعية الكاملة للدول الأجنبية في المجال الدفاعي، فإن الحدود الدنيا من أشكال التعاون العسكري التي طالبت بها هذه الدول حظيت بموافقة مشروطة من الأمريكيين، وهو ما تجسد بالفعل فيما اتُفق عليه أخيراً بشأن توسيع درع الجزيرة، وشبكة الإنذار ونظام الاتصالات، فمن ناحية لن يضير توسيع حجم قوات درع الجزيرة واشنطن وحليفاتها الغربيات شيئاً، ومن ناحية ثانية كل من شبكة الإنذار ونظام الاتصالات يخضع لإشراف وتنفيذ ومراقبة الغرب، حيث تنفذ شبكة الإنذار شركة أمريكية، وتتولى تنفيذ نظام الاتصالات شركة سويدية.
بإيجاز، لم تتعدَّ - ولن تتعدى - أية خطوات تتبناها دول الخليج في مجال التعاون الدفاعي والعسكري بينها الحدود التي تسمح بها واشنطن والدول الغربية.
خليجي الشكل.. أمريكي الجوهر
ولا تقف الخطورة عند هذا الحد من عدم السماح بإيجاد كيان أمني أو دفاعي خليجي خالص، بل فيما هو أبعد من ذلك، فما كشفت عنه اجتماعات وزراء الدفاع - ومن قبلها اجتماعات رؤساء الأركان - أن نظام الاتصالات وشبكة الإنذار سيعملان بشكل متكامل بحيث يتم نقل الاتصالات والمعلومات الخاصة بأي هجوم صاروخي على أية دولة أو منطقة داخل نطاق عمل الشبكة فيما بين جميع غرف العمليات التابعة لجيوش المجلس، ثم المرحلة التالية هي قيام شبكة الإنذار بتوجيه الأوامر لنظام دفاعي يتولى إرسال صواريخ اعتراضية، وما ينبغي الالتفات له هنا أن هذه الصواريخ الاعتراضية ستكون جزءاً من منظومة"دفاع صاروخي خليجي أو أي نظام دفاعي صاروخي آخر"وفقاً لما ورد في تصريحات رسمية لمسؤولين خليجيين، أي ببساطة هناك تلميحات واضحة باحتمال إقامة نظام دفاعي صاروخي في منطقة الخليج، وإن لم يتبلور بعد ما إذا كان ذلك النظام خاصًّا بهذه المنطقة تحديداً أو جزءاً من منظومة أشمل. وكان وزير الدفاع الأمريكي وليم كوهين قد عرض خلال زيارة له إلى المنطقة عام 1999م فكرة إنشاء نظام دفاعي صاروخي يغطي منطقة الخليج.
أي أن الخطوات التي قامت أو على وشك القيام بها دول الخليج لإيجاد أي شكل من أشكال التعاون العسكري فيما بينها، لا تأتي في إطار فكر عسكري مستقل أو حتى تبشّر بذلك، بل العكس هو الصحيح، فإن لم يكن لدى دول الخليج علم أو نية مسبقة لأن تصبح هذه الخطوات جزءاً من المنظومة الأمريكية المقترحة، فإنها ستجد نفسها مطالبة بذلك فيما بعد، ولا توجد أية مؤشرات على قدرتها أو حتى رغبتها في تبني اتجاه مغاير.
إذن فالتعاون العسكري الخليجي سيظل دائماً حلماً غير قابل للتحقق، وإذا حدث ذلك، فلن يكون خليجيًّا سوى في شكله وأدواته، وبالطبع في تمويله، بينما هو في حقيقته تعاون خليجي - أمريكي قلباً وقالباً.