بالتالي ليس من الوارد بحال أن تكون لدى أية دولة خليجية رغبة حقيقية في وجود تعاون عسكري حقيقي مع بقية الدول الخليجية، إما لعدم رغبتها في ذلك أصلاً؛ لأنه ينتقص من مكانتها وثقلها النسبي، أو لاقتناعها بعدم جدواه وألا طائل من ورائه يُرتجى. ولا يعدو الخطاب الإعلامي والسياسي في هذا الموضوع، سوى سلعة للاستهلاك المحلي، ولإضافة مزيد من المبررات والحيثيات لاستمرار المجلس والحفاظ عليه بعد أن أصبح محل تساؤل وعلامات استفهام لقصوره عن أداء المطلوب منه في مجالات عديدة.
مواقف الأطراف الأخرى
ربما كان الأمر سيختلف قليلاً لو كان القرار خليجيًّا خالصًا، ولو كانت دول الخليج تبني سياساتها وإستراتيجياتها بناء على معطيات ومدخلات خاصة بها فقط، دون تأثيرات أو ضغوط خارجية، بمعنى أنه لو حدث افتراضاً وأتيحت فرصة ولو ضئيلة لإيجاد تعاون أو حتى تنسيق خليجي عسكري، فإن المواقف الخارجية كفيلة بوأد هذه الفرصة في مهدها. وتشمل الأطراف الخارجية هنا ثلاثة مستويات: الخليجي، والإقليمي، والعالمي.
فعلى المستوى الخليجي لا تريد كل من إيران والعراق أن تكون لدول الخليج العربية كلمة موحدة في المجال الدفاعي، وهي مسألة تهمّ طهران في المقام الأول؛ لأن أي إضافة إلى حساب القوة الخليجية تعني انتقاصاً بالقدر ذاته من رصيد القوة الإيرانية في الخليج، وتغيراً في ميزان القوة الإستراتيجية في تلك المنطقة.
لكن ثمَّة تغيرًا طرأ على هذا الموقف الإيراني مؤخراً، حيث بدأت طهران تقتنع بأن التقارب مع دول الخليج أفضل من استعدائها، ومع التحولات التي طرأت على مفاهيم الثورة الإسلامية وتراجع فكرة تصدير الثورة إلى العالم العربي، واستقرار القوات الأمريكية وغيرها في مياه الخليج، وظهور اتفاق (إعلان دمشق) إلى الوجود عام 1991م، بدأت إيران في الترويج لمبدأ أن أمن الخليج لا بد أن يكون بأيدي دوله، وتحاول حالياً ترجمة هذا المبدأ من خلال السعي لإقامة تعاون عسكري ودفاعي بينها وبعض دول الخليج العربية، وتجسدت بالفعل مظاهر لهذه المساعي خاصة مع سلطنة عمان. أي أن موقف إيران تحول من التوجس خشية أي تعاون عسكري خليجي - خليجي، إلى محاولة توسيع هذا التعاون لتنضم هي إليه.
وعلى المستوى الإقليمي، يبرز لنا كل من الموقفين السوري والمصري، وقد حاولت الدولتان في أعقاب حرب الخليج الثانية - من خلال ما عرف باتفاق إعلان دمشق - توظيف محدودية القدرات العسكرية الخليجية بمقايضة الدعم الاقتصادي الخليجي لدمشق والقاهرة، بالقوة العسكرية والزخم البشري الوفير في هاتين الأخيرتين. وبعد أن ظهرت تحفظات إيرانية وأمريكية صريحة ضد دور مصري أو سوري في أمن دول الخليج، أتاح تجميد إعلان دمشق الفرصة لتثبيت الوجود العسكري الأجنبي خاصة الأمريكي منه في مياه وأراضي دول الخليج، ومعروف أن أي دور مصري أو سوري في هذا الاتجاه كان سيطرح علامة استفهام حول ضرورة الوجود الأجنبي. أي يمكن القول إن طرح فكرة قيام مصر وسوريا أو إحداهما بدور أمني في الخليج كان بمثابة عامل تسريع؛ لتكريس الوجود الأجنبي العسكري في المنطقة، نتيجة حرص واشنطن وحليفاتها الغربيات على منع أية فرصة أمام هذا الدور العربي، وكذلك قبل أن تجد طهران مبرراً لتطرح نفسها كبديل إقليمي لهذا الدور العربي.
من هنا فربما ساعد الموقف المصري - السوري على التعجيل بترسيخ الوجود العسكري الأجنبي، وتقنينه من خلال اتفاقيات دفاعية أبرمتها دول الخليج العربية مع القوى الكبرى في العالم. كما ساعد بالقدر ذاته على قطع الطريق أمام إقامة كيان أمني خليجي سواء بالمعنى العربي، أو بالمعنى الإقليمي أي بمشاركة إيرانية.
أما على المستوى العالمي، فمن المعروف تماماً أن مصالح القوى الكبرى في العالم
-تتقدمها الولايات المتحدة الأمريكية - هي التي دفعتها لإرسال جنودها إلى منطقة الخليج؛ ولذا فليس من الوارد إطلاقاً أن تسمح بقيام أي نوع من أنواع التعاون العسكري البيني في هذه المنطقة، بل نذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، فقد أبرمت دول الخليج كل على حدة اتفاقاً عسكريًّا ثنائيًّا مع الولايات المتحدة أو بريطانيا أو فرنسا، أو أكثر من دولة في وقت واحد، وليس من الواضح إذا كان هذا التفتيت ناتجًا فقط عن حرص واشنطن ولندن وباريس على ألا تكون لدول الخليج كلمة واحدة مشتركة في تعاونها العسكري مع تلك الدول، أم أنه رغبة خليجية أيضاً، أم السببين معاً. أيًّا كان السبب، لم نرَ مثلاً اتفاقاً عسكريًّا بين واشنطن كطرف، وجميع دول مجلس التعاون كطرف ثان، فربما كان الأمر سيبدو أكثر معقولية أو يمكن تفهمه بدرجة ما، لكن حتى الاتفاقات المعقودة بين دول الخليج والدول الأجنبية هي اتفاقيات ثنائية، لا روابط ولا قواسم مشتركة بينها، وكأن كل اتفاق منها ينافس الآخر أو يحمي هذه الدولة أو تلك من الأخرى، فكيف يمكن تصور وجود تعاون فعلي فيما بينها؟