فهرس الكتاب

الصفحة 8543 من 27364

من الطبيعي أن تحمل التصريحات والخطابات الرسمية للمسؤولين في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية حرصاً شديداً وكاملاً ليس فقط على وجود تعاون عسكري خليجي - خليجي، وإنما أيضاً على تفعيل هذا التعاون والارتقاء به إلى أعلى المستويات. وهو الخطاب الذي دأبت الحكومات الخليجية على تبنيه على مدى السنوات الماضية، لكن الإجابة الدقيقة على هذا التساؤل تستلزم مزيداً من التأمل والبحث في المواقف والسلوكيات الفعلية التي تلتزمها دول الخليج وليست تلك التي تعلنها.

لقد أنشئ مجلس التعاون الخليجي أساساً بدوافع أمنية ودفاعية، وبعبارة أوضح، جاءت فكرة إنشائه بعد بروز التهديد الإيراني إثر قيام الثورة الإسلامية، ثم نشوب الحرب الإيرانية - العراقية، ولم تشمل عضوية المجلس العراق تجنباً من ناحية لاستفزاز إيران، وخشية من هيمنة العراق الدولة الكبرى والأكثر ثقلاً من دول الخليج الست جميعاً من ناحية أخرى.

والحال كذلك، فإن التفكير في إقامة قوة أمنية دفاعية تحمي دول المجلس، وتطوير التعاون العسكري الخليجي البيني، كان لا بد أن يحتل مكان الصدارة في اهتمامات المجلس منذ إنشائه، لكن سببين حالا دون ذلك: الأول: هو التركيز على مساندة العراق في حربه مع إيران، وتوجيه قدر كبير من الموارد المالية الخليجية لهذا الغرض، مع بروز اتجاه في ذلك الوقت إلى إمكانية الاعتماد على القدرات العسكرية والبشرية العراقية في الدفاع عن الدول الخليجية باستخدام قدراتها المالية.

السبب الثاني: هو خشية دول الخليج، كلّ دولة من الأخرى، فإقامة كيان دفاعي عسكري، أو نظام دفاعي موحّد، يعني تقديم قدر من التنازل عن سيادة كل دولة، أو على الأقل إخضاع بعض متطلبات أمنها الوطني وخططها الإستراتيجية لاعتبارات إقليمية وليست قُطرية خالصة، ما رفضته بعض الدول، خاصة في ظل التفاوت القائم بينها في رصيد عناصر القوة الشاملة مثل عدد السكان، الوضع الاقتصادي، الموقع الجغرافي، فضلاً عن تفاوت أكثر وضوحاً في الثقل السياسي وحجم الدور الإقليمي.

وكان الإطار المقبول من الجميع هو المجال الاقتصادي، كواجهة يتم التركيز عليها خلال إقامة مؤسسات وهياكل المجلس الرئيسية ليبدو بالفعل مؤسسة تكاملية.

من هنا جاء التباطؤ الشديد في اتجاه دول الخليج إلى إقامة أي نوع من أنواع التعاون العسكري البيني، ولم يكن الاتفاق على تشكيل قوة درع الجزيرة عام 1986م سوى محاولة لإرضاء بعض دول المجلس التي تحرص بالفعل على وجود كيان خليجي موحد في جميع المجالات، لكن عملية تشكيل القوة ذاتها وُوجِهت بعقبات عدة حالت دون تطويرها أو إتمامها على النحو المطلوب، وأبرز هذه العقبات أيضاً محاولة بعض الأطراف الخليجية القوية السيطرة على القوة وجعلها شبه تابعة لها تماماً.

ولم تتغير الأوضاع بعد ذلك إلا إلى الأسوأ، فبكارثة عام 1990م عندما غزا العراق الكويت، تحولت مخاوف دول الخليج من القوة العراقية إلى خطر داهم يطرق أبواب جميع الدول الخليجية، كما كشفت هذه الأزمة عن ضعف شديد في البنى العسكرية والأساسية بهذه الدول، وأنها لا تملك من مصادر القوة سوى مورد النفط، وما يُدِرّه من عائدات مالية تظل في النهاية غير قادرة على الدفاع عن دولها، وبالطبع ليست قابلة للتحول إلى قوة عسكرية تكفل الحد الأدنى من الأمن، وبالتالي فإن إلغاء فكرة الاعتماد على الذات خليجيًّا؛ لتوفير متطلبات الأمن كان طبيعيًّا ولا يقبل الشك أو إعادة النظر فيه.

وتجدر الإشارة في هذا المجال إلى أن فكرة توسيع قوة درع الجزيرة في عام 1990م قد نشأت فور وقوع الغزو العراقي للكويت، حيث طالب السلطان قابوس بن سعيد سلطان عُمان في القمة الخليجية التي عقدت بالدوحة في ديسمبر من العام ذاته بتحويل"درع الجزيرة"إلى جيش خليجي حقيقي، وتعهد بتبني الفكرة ومتابعة الدراسات الخاصة بها، ولم يلقَ الطرح العُماني أي ترحيب أو مساندة على مدى عام كامل، ثم تكفلت القمة الخليجية التالية في ديسمبر 1991م بوأد الفكرة تماماً مكتفية بالثناء على الحماس العُماني لها! إذن حتى في أكثر الأوقات صعوبة، فإن هواجس الدول الخليجية من بعضها البعض كانت أقوى من رغبتها في التآزر والتعاون لدرء الخطر الخارجي.

وللأسف، تلك الشكوك المتبادلة لا تزال قائمة حتى الآن، فعندما سئل مسؤول خليجي في اجتماعات وزراء الدفاع الأخيرة عن إمكانية أن تعقد دول الخليج صفقاتها التسليحية بشكل مشترك، كخطوة نحو تعاون عسكري حقيقي، كان الرد بأن ذلك الأمر يخضع لسيادة كل دولة، وليس من الوارد أن تتفق دول الخليج على صفقات مشتركة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت