الناحية الأولى أنه سيتتبع الروح الصليبية الدافعة إلى غزو العالم الإسلامي ، التي يخفيها المؤرخ الغربي عامدا رغم وضوحها . فقد ظل الغرب يوحي إلينا أن غزوه الأخير للعالم الإسلامي لم يكن ذا صلة على الإطلاق بالروح الصليبية التي دعت إلى الحملات الصليبية القديمة ، إنما هو منبعث من أسباب اقتصادية بحتة ! فمرة سببه البحث عن التوابل ! ومرة سببه البحث عن الخامات الرخيصة ! ومرة سببه البحث عن أسواق لتصريف فائض المنتجات التي يصنّعها الغرب ! مع أن فاسكو داجاما- الرائد الأول للغزو الصليبي الحديث -قال بعبارة صريحة حين وصل إلى جزر الهند الشرقية - بمعاونة الخرائط الإسلامية ، ومعاونة البحار المسلم ابن ماجد - قال: الآن طوقنا رقبة الإسلام ، ولم يبق إلا جذب الحبل فيختنق ويموت !! كما أن ماجلان - وهو كذلك من الرواد الأوائل لهذا الغزو - ألح على البابا أن يأذن له بقيادة حملة صليبية بهدف محدد ، هو ضم أراضي الفلبين تحت راية الصليب ، ولما أذن له البابا على تردد - لعدم ثقته بقدرته على إنجاح حملته - ذهب بالفعل إلى الفلبين ، ورفع الصليب على إحدى جزرها ، فقتله المسلمون هناك وقضوا على حملته (12) !
وقد كانت للغرب مصلحة ظاهرة في إخفاء الوجه الصليبي للحملة الجديدة ، اتقاء لإثارة الروح الدينية عند المسلمين ، التي تبعث على"الجهاد المقدس"وهو أخطر ما يخشاه الغزاة - صليبين كانوا أو صهيونيين أو عباد بقر أو عباد أصنام - وقد ذاق الغزاة بأسه بالفعل في الهند والجزائر وغيرهما من البقاع .
كتب كرومر - المعتمد البريطاني في مصر أول أيام الاحتلال - في مذكراته المسماة"مصر الحديثة Mode r n Egypt":"إن مهمة الرجل الأبيض الذي وضعته العناية الإلهية (!) على رأس هذه البلاد هي تثبيت دعائم الحضارة المسيحية إلى أقصى حد ممكن بحيث تصبح هي أساس العلاقات بين الناس وإن كان من الواجب - منعا من إثارة الشكوك - ألا يعمل رسميا على تنصير المسلمين ، وأن يرعى من منصبه الرسمي المظاهر الزائفة للدين الإسلامي ، كالاحتفالات الدينية وما شابه ذلك"!!
و الهدف من هذا الكلام واضح .. إبعاد المسلمين عن الإسلام دون إشعارهم أن الهدف هو إبعادهم عن الإسلام ! وذلك منعا من إثارة الشكوك .. أي منعا من إثارة الروح الدينية عند المسلمين ، حين يتضح الوجه الصليبي على حقيقته !
ونفي الدافع الصليبي عن الغزو الصليبي الحديث كان يهدف إلى ذات الغاية التي قصد إليها كرومر ، وهي عدم إثارة روح الجهاد المقدس ضد الغزاة ، والسعي إلى ترويضهم بحيث يقبلون الأمر الواقع ، وحتى إن اتجهوا إلى مقاومته ، قاوموه بغير روح الجهاد المقدس التي يفزع منها الغزاة !
ولترويج هذه الفرية في نفوس المسلمين في البلاد المحتلة قال الغرب إنه ترك الدين منذ فترة ! ولم يعد الدين هو الذي يحركه ! إنما الذي يحركه هو"المصالح الاقتصادية"فحسب! ولاكت ألسن المسلمين هذه الفرية في فترة التيه ، وروجها دعاة الغزو الفكري - بوعي أو بغير وعي - ليثبطوا أي تحرك جهادي إسلامي ضد الغزاة !
نعم ! لقد نبذت أوربا دينها ، فلم تعد تتحرك به داخل بلادها .. ولكنها لم تنس قط الروح الصليبية الكامنة في دمائها ، والتي تحركها دائما ضد الإسلام و المسلمين ! وهذه الحقيقة - حقيقة نبذ أوربا لدينها ، وبقاء الحقد الصليبي تجاه الإسلام مشتعلا رغم ذلك - قد أشار إليها المستشرق النمساوي"محمد أسد"في كتابه الشهير"الإسلام على مفترق الطرق"الذي ألفه بعد أن أعلن إسلامه ، وحاول فيه تفسير هذه الظاهرة الغريبة التي قال إنه لم يحدث مثلها في التاريخ ، فقال: إن هذا الحقد قد ولد في نفوس الأوروبيين في فترة طفولتهم الفكرية والحضارية ، فلم تستطع فترة النضج التالية أن تمحوه من نفوسهم ، لأن ما ينطبع في الطفولة يتبقى عالقا في النفس !! (13)
ولسنا نحن في حاجة إلى شهادة محمد أسد ولا تفسيره ، وعندنا شهادة الله سبحانه وتعالى وتقريره: ( وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ) (14)
وعندنا مذبحة البوسنة والهرسك شهادة لا تحتمل التأويل . فالمندوب البريطاني"أوين"الذي ليست له أي مصلحة مباشرة أو غير مباشرة في منطقة البوسنة والهرسك يتكلم حين يتكلم كأنما بلسان الصرب ، بل يطلب للصرب أحيانا أكثر مما يطلبون هم لأنفسهم ، بل طالب في أكثر من مرة بمعاقبة المسلمين لأنهم لم يتقبلوا اغتيال الصرب الوحشي لهم في صمت ولا هتكهم لأعراضهم ، بل كانوا يدافعون عن أنفسهم بين الحين و الحين !!
والأمر الثاني الذي يجب على المؤرخ المسلم إبرازه بينما المؤرخ الأوربي لا يذكره على الإطلاق ، هو أن السبب الحقيقي وراء كل ألوان التخلف التي أحاطت بالمسلمين في الفترة الأخيرة كان هو التخلف العقدي .. التخلف عن حقيقة لا إله إلا الله .