إن الضعف ليس من طبيعة هذا الدين ، وهو دين القوة والجهاد والتمكن ، الذي اكتسح في سنوات معدودة الإمبراطورية الفارسية بأكملها ونصف الإمبراطورية الرومانية العتيدة ، والذي هزم التتار في عنفوانهم وهزم الصليبيين في حملاتهم القديمة ، واستقر في معظم الأرض المعمورة في وقته استقرار التمكن والرسولخ والنماء . إنما الضعف عنصر طارئ في حياة المسلمين لم يتأت لهم وهم مستمسكون استمساكا حقيقيا بدينهم . وسواء كان سببه الترف الذي أصاب الحكام العثمانيين بعد أن استتب لهم الملك والغلبة على الأعداء ، أو حلقات الذكر الصوفي التي تستوعب طاقة المسلم الروحية فتصرفها عن الجهاد ، وتحولها إلى سبحات روحية أشبه بالخدر منها إلى الوعي الحيّ ، أو انتشار الخرافة والتعلق بالخوارق الموهومة والكرامات المنسوبة إلى المشايخ ، الأحياء منهم والأموات ، أو إهمال العلوم الكونية وإهمال عمارة الأرض والانصراف عن أسباب التمكن ، أو الاستبداد السياسي الذي يجعل الناس ينصرفون إلى خاصة أنفسهم ويتركون الانشغال بالقضايا العامة التي تقرر مصاير الأمة ، ويتركز"الدين"في حسهم في الشعائر التعبدية فحسب ، أو تَحَوُّلَ الدين كله في النهاية إلى تقاليد تُرْعَى لذاتها ولكنها خاوية من الروح ..
سواء كان السبب هذا أو ذاك أو ذلك فكلها ليست من طبيعة هذا الدين ، ولاهي مستوحاة من نصوصه المنزلة أو سوابقه التاريخية حين كان مطبقا تطبيقا صحيحا في واقع الحياة .
والمؤرخ الأوربي المدقق لن تفوته معرفة هذه الحقيقة:
( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ) (15)
ولكنه لن يظهره وإن عرفه وتيقن منه:
( وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) (16)
فإنه لو أظهره فكأنما سيوقظ المسلمين إلى حقيقة انحرافهم عن مصدر قوتهم الحقيقي ، و سيدعوهم إلى محاولة تغيير واقعهم ، والعودة إلى حقيقة الإسلام التي لا يمقت الغرب شيئا كمقته إياها ، ولا يخاف شيئا كخوفه منها .
بل لقد عمد المؤرخ الأوربي - وتبعه من تبعه من"المسلمين"الغارقين في التيه - إلى ما هو أسوأ من إخفاء تلك الحقيقة ، فزعم أن"الدين"ذاته كان هو السبب في كل هذا البلاء ! في الضعف والتخلف والخرافة والجهل والاستخذاء والقعود ! وأنه لابد من نبذ الدين ليتحرر الناس من الجهل والخرافة ، ويزيلوا الأغلال التي تمنعهم من الانطلاق ! وحرص - وحرصوا معه - على منع أية إشارة تنبه الناس إلى حقيقة بعدهم عن حقيقة الدين ، وأن الدين الحقيقي شيء آخر غير الذي يمارسونه باسم الدين !
حدثني ذات مرة صديق كنت أعمل معه في إدارة واحدة (17) ، أنه التقى بأحد المستشرقين أثناء مرور الأخير بالقاهرة في أوائل الستينيات من هذا القرن الميلادي ، فسأله عن جملة أشياء تتعلق بالإسلام والمسلمين وما يدور من أفكار بينهم ، وفي أثناء الحديث سأله: هل تعرف فلانا ؟ ( وذكر له اسمي ) فأجابه بالإيجاب . فسأله: هل هو من خريجي الأزهر ؟ قال له: لا ! إنه من خريجي قسم اللغة الإنجليزية بجامعة القاهرة ! فلم يخفِ عجبه - وإستياءه كذلك - من أن ينشغل واحد من خريجي هذا القسم - الذي أنشئ ابتداء لتخريج"علمانيين"يتبعون طريقة التفكير الغربية ومنهج الغرب في الحياة - أن ينشغل بأمور الإسلام ، ويكتب في موضوعات دينية !
ثم راح المستشرق يكيل النقد لكتاباتي ، وخاصة كتاب"شبهات حول الإسلام" (18) وكان أشد حنقه على أمر معين ، هو أنني أنتقد مادية الغرب ، وأهاجم حضارته المادية الخالية من الروح . وقال لصديقي حانقا: ماذا صنعتم أنتم بروحانيتكم ؟! لولا تقدمنا المادي ما استطعتم أنتم أن تعيشوا ! فحدثه الصديق - رحمه الله - أنني أقول بأن الإسلام ليس روحانية فحسب ، وإنما هو يجمع بين عالم المادة وعالم الروح ، ويدعو إلى بذل النشاط في كلا المجالين في آن واحد . فقال له: ولكن واقعكم خلاف ذلك ! فقال الصديق - يتابع حديثه عني -"إنه يقول إن واقع المسلمين اليوم بعيد عن حقيقة الإسلام"! فانتفض الرجل من كرسيه حنقا وغضبا وقال: هو يقول ذلك ؟! أين يقول هذا الكلام ؟! قال: في كتاب له يسمى"هل نحن مسلمون". فقال المستشرق وهو ينصرف في عصبية ظاهرة: هذا أمر خطير !!
أمر خطير أن يتنبه أحد - أو ينبه الناس- إلى أن حقيقة الإسلام غير ما يمارس باسم الإسلام ، وأن الواقع السيء الذي يعيشه المسلمون اليوم سببه البعد عن حقيقة الإسلام !
المؤرخ المسلم - في تناوله لتاريخ تلك الفترة - عليه من إسلامه واجب لابد أن يؤديه ، هو أن يبين للناس السبب الحقيقي فيما حدث من هزيمة عسكرية أمام الغرب ، وأن يفسر لهم كذلك سبب الهزيمة الروحية التي تلت الهزيمة في ميدان الحرب ..
فأما الهزيمة الحربية فقد كانت نتيجة طبيعية لترك الأخذ بالأسباب التي تؤدي إلى القوة . ولكن ترك الأخذ بالأسباب كان هو ذاته نتيجةً للخلل العقدي الذي أصاب المسلمين فجعلهم ينحرفون بالدين عن حقيقته ، ولا يعملون بمقتضاه .