فالفكر الإرجائي الذي أخرج العمل من مسمى الإيمان ، وجعل الإيمان هو التصديق القلبي والإقرار اللساني فحسب ، كان انحرافا متعلقا بالعقيدة ، ومجافيا لمنهج السلف الصالح الذين قالوا إن الإيمان قول وعمل ، والذين كان في حسهم أن العلم الذي لا يصحبه عمل ليس علما حقيقيا ، وأن العمل هو الثمرة الحقيقية للعلم .
وقد أدى هذا الانحراف العقدي إلى تصور للدين غير صحيح ، وسلوك بالدين غير صحيح ، فزاد تفلت الناس من التكاليف بغير حرج في صدورهم ، لأنهم - في وَهْم أنفسهم - مؤمنون صادقو الإيمان مهما تفلتوا ، ما داموا مصدقين بالقلب ، ومقرين باللسان !
والفكر الصوفي الذي أدى إلى تضخم"الشيخ"في حس"المريد"حتى صار واسطة بينه وبين الله ، كان انحرافا متعلقا بالعقيدة ، ومجافيا لمنهج السلف الصالح ، الذين تعلموا من كتاب الله وسنة رسول صلى الله عليه وسلم أنه لا وسطاء بين العبد والرب إلا العمل الصالح الذي يرضى الله عنه فيرضى عن صاحبه ، وان من أعظم القربات إلى الله الجهاد في سبيل الله ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والسعي إلى تقويم المجتمع إذا انحرف عن السبيل .. وكان من نتيجة هذا الانحراف العقدي ألوان من شرك العبادة من جهة ، وتعلق بالأوهام والخرافات من جهة ، وتركٌ للعمل الإيجابي الذي يجري الله به التغيير في الأرض بحسب سنته الجارية ، تطلعا إلى خارقة تتحقق على يد"وليّ"من أولياء الله تنحل بها المشاكل بلا تعب ولا نصب ولا انشغال بال !
والإيمان المختل بعقيدة القضاء والقدر ، الذي يسقط مسئولية الإنسان عن أعماله حين يخطئ أو يقصر بدعوى أن ما يصيبه هو قضاء وقدر لا حيلة له فيه ، ويدعو إلى الاستسلام السلبي لكل ما يقع ، وعدم السعي إلى تغييره بدعوى أن العمل على التغيير هو بمثابة التمرد على قدر الله وعدم الرضا بقضائه ، ويدعو إلى عدم الأخذ بالأسباب بدعوى أن هذا نقص في الإيمان ، ودليل على عدم التوكل على الله .. كل ذلك كان انحرافا متعلقا بالعقيدة، ومجافيا لمنهج السلف الصالح الذين كانوا أصفى الناس إيمانا بالقضاء والقدر ، ولكنهم كانوا يعلمون من كتاب الله ومن سنة رسول صلى الله عليه وسلم أن الإيمان بالقضاء والقدر لا يسقط مسئولية الإنسان عن عمله حين يخطئ أو يقصر ، ولا يمنع السعي إلى التغيير تطلعا إلى قدر جديد من عند الله ، وان التوكل الصحيح لا يمنع الأخذ بالأسباب ، وأن حتمية تحقق قدر الله ومشيئته لا تتنافى كذلك مع اتخاذ الأسباب .
ففي وقعة أحد قال الله للمسلمين إن ما أصابهم من الهزيمة هو من عند أنفسهم لمخالفتهم أمر الرسو صلى الله عليه وسلم ، وهو في الوقت ذاته قضاء وقدر:
( أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ ..) (19) .
وحين وقعت الهزيمة لم يقعد رسول ا صلى الله عليه وسلم عن السعي إلى تغيير الموقف ، فأخذ المسلمين - بجراحاتهم - للقاء العدو ، فانصرف العدو بفضل الله وآثر الانسحاب دون قتال:
( الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ) (20) .
وتلقى الرسو صلى الله عليه وسلم توجيها من ربه له وللأمة المسلمة من ورائه أن يعدّ العدة ثم يتوكل على اللَه: ( فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ) (21) .
والعزيمة تقتضي الإعداد وإلا فهي مجرد أمانيّ لا تغير شيئا من الواقع .
وقرر الله سبحانه وتعالى أن الذين كفروا لن يسبقوا الله ولن يعجزوه . وأن قدر الله بالتمكين لهذا الدين في الأرض ماضٍ ونافذ . ومع ذلك أمر المسلمين بالإعداد واتخاذ الأسباب في نفس السياق:
( وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ ) (22) .
وقد أدى هذا الخلل العقدي في عقيدة القضاء والقدر إلى تواكل سلبي بدلا من التوكل الحق ، وإلى إهمال اتخاذ الأسباب - ومن بينها أسباب القوة التي أمر الله بإعدادها لإرهاب عدو الله - وإلى انتشار الفقر والمرض والعجز ، والقعود في الوقت ذاته عن محاولة التغيير .