فهرس الكتاب

الصفحة 26400 من 27364

والتصور المختل لطبيعة العلاقة بين الدنيا والآخرة ، وبين العمل للدنيا والعمل للآخرة ، كان انحرافا عن حقيقة الدين ، وعن منهج السلف الصالح الذين فهموا من كتاب الله وسنة رسول صلى الله عليه وسلم أن الدنيا مزرعة الآخرة ، وأن عمارة الأرض بمقتضى المنهج الرباني جزء من العبادة المطلوبة من الإنسان ، وأن العمل للآخرة لا يتنافى مع السعي في الأرض:

( هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) (23) .

( وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ) (24) .

وقد نهى الرسو صلى الله عليه وسلم القوم الذين زعموا أنهم يعملون للآخرة بأن يصوموا الدهر ولا يفطروا أو يقوموا الليل ولا يناموا ، أو يعتزلوا النساء فلا يتزوجوا ، فقال لهم صلى الله عليه وسلم"ألا إني أعبدكم لله وأخشاكم له ، ولكني أصوم وأفطر ، وأقوم وأنام ، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني" (25) .

وقد أدى هذا الانحراف في تصور مقتضيات لا إله إلا الله إلى إهمال العلم بالطب والفلك والكيمياء والفيزياء والرياضيات والجغرافيا وغيرها من العلوم لأنها متعلقة بالأرض ، وبالحياة الدنيا ، فتخلف المسلمون في جميع الميادين .

من هنا يظهر جليا أن التخلف العلمي و"التكنولوجي"والمادي ..إلخ ، الذي كان سببا في الهزيمة العسكرية أمام الغرب قد نشأ أساسا من التخلف العقدي الذي تزايد في حياة المسلمين جيلا بعد جيل ، وتراكم حتى غشّى على العقيدة الصحيحة فلم تعد تتبين من بين الركام ، ولم تعد تعطى شحنتها الحية في حياة المسلمين .

ولكن القضية لا تنتهي مع المؤرخ المسلم عند هذا الحد .

فهناك قضية أخرى لا تقل عنها أهمية ، ولا تقل عنها خفاء كذلك في حس الذين يحصرون رؤيتهم في الأسباب الظاهرة ولا يتعمقون وراءها إلى السبب الحقيقي .

وقعت الهزيمة العسكرية فتلتها في نفوس المسلمين هزيمة روحية ، هي الأولى بالنسبة لهم في التاريخ .

وقد قلنا في أكثر من كتاب (26) إن الهزيمة العسكرية وحدها لم تكن لتحدث في نفوس المسلمين ذلك الأثر الهائل الذي أحدثته في المرة الأخيرة حين انهزمت جيوش المسلمين أمام الغرب .

حقيقة إن المسلمين فوجئوا مفاجأة حادة - بعد الهزيمة - بالفارق الهائل بينهم وبين الغرب الذي هزمهم ، في العلم وفي"التكنولوجيا"وفي التقدم المادي والحضاري .. وأن هذا كان له أثره في الهزيمة النفسية التي أصابت المسلمين.

ولكن الهزيمة العسكرية وحدها ، وإدراك المسلمين للفارق الهائل بينهم وبين أعدائهم في الأسباب المادية ، لم يكونا ليحدثا هذا التحول الهائل الذي حدث في حياة المسلمين ، لولا الخواء الروحي والعقدي الذي كان في حياتهم قبل وقوع الصدام .

وقعت الهزيمة العسكرية من قبل فلم تغير شيئا في تصورات المسلمين وأفكارهم وسلوكهم وعقائدهم ..

وقعت أول هزيمة يوم أحد فأنزل الله قوله تعالى: ( وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) (27) . وكانوا مؤمنين بالفعل ، فوعوا الدرس ، وأفاقوا من هزيمتهم ، وعلموا أنهم الأعلون بإيمانهم مهما حدث لهم من هزيمة مؤقتة أمام عدوهم . فلم يهنوا بعد ذلك في مواجهتين عظيمتين خطيرتين وقعتا بينهم وبين التتار مرة ، وبينهم وبين الصليبيين مرة . وقد كانت الهزيمة أمام التتار ساحقة ..

اكتسح التتار بغداد ، وأزالوا الخلافة العباسية ، وأذلوا المسلمين إلى حد لا يتصور . فكان التتري يخرج من بيته وليس معه سلاحه ، فيلقى المسلم في الطريق ، فيقول له: ابق هنا حتى أحضر السيف لأقتلك ، فيقف المسلم صاغرا مستسلما حتى يعود التتري بسيفه فيقتله .. وليس بعد ذلك إذلال !

ولكن أرواحهم لم تذل !

لم ينظروا إلى التتار نظرة إكبار ! لم يعتقدوا أن التتار خير منهم بسبب أنهم هم الغالبون ! إنما كانوا في حسهم برابرة همجا متوحشين ، وقبل ذلك كله وثنيين لا يعرفون الله ، ولا يدينون دين الحق .

وانهزم المسلمون أمام الصليبيين في مبدأ الأمر ، وأقام الصليبيين دويلات لهم في بعض بقاع العالم الإسلامي استمرت ردحاً من الزمن يتسلطون فيها على المسلمين ويهينونهم ويذلونهم ..

ولكن أرواحهم لم تذل !

لم ينظروا للصليبيين نظرة إكبار ! لم يعتقدوا أن الصليبيين خير منهم بسبب أنهم هم الغالبون ! إنما كانوا في حسهم هم المشركين عبّاد الصليب ، وفوق ذلك كانوا يقولون عنهم إنهم دياييث لا أعراض لهم ، بسبب التحلل الأخلاقي الفاشي في حياتهم ، وضعف الحمية فيهم لأعراضهم .. ومن أجل ذلك كانوا يحتقرونهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت