لكن يبدو لي أن ما فعله أسد هو إرهاق شديد لتركيب الآية، إذ لماذا يقدِّم القرآن الكريم جملة"فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدةً"على موضعها الأصلي ويحولها إلى جملة اعتراضية مما يترتب عليه أن يفهم القارئ أن التحديد بأربع أمر خاص بالحرائر من النساء فقط، مع أن المقصود شيء آخر غير ذلك؟ إن الذي نعرفه هو أنه لا بد من استبراء السَّبِيَّة بحيضة واحدة خلافاً للحرة المطلَّقة التي تُسْتَبْرَأ بثلاث حيضات، ولم نسمع أن الرسول صلى الله عليه وسلم أو أحداً من الصحابة كان إذا ضم إليه سبية يعقد عليها القران ويدفع لها مهراً كما كانوا يصنعون مع الحرة، ثم إن القرآن الكريم يميِّز تمييزاً واضحاً بين زوجات الرجال وما ملكت أيمانهم بما يؤكد أن هؤلاء غير أولئك حيث قال - تعالى- في موضعين من القرآن: (( ... إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ) ) (16) ذاكراً هؤلاء وأولئك جنباً إلى جنب، ولو كُنّ شيئاً واحداً لاكتفى بذكر الزوجات وحدهن، بل إن المهر فيه لا يُذْكَر إلا للزوجة وحدها لا لملك اليمين، إذ خاطب المولى - سبحانه - رسوله - عليه الصلاة والسلام - بقوله: (( يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيتَ أجورهن وما ملكتْ يمينُك مما أفاء اللهُ عليك...إلخ ) )، فالأجور كما هو بيّن قد ذُكِرَتْ للزوجات وحدهن دون ملك اليمين، وهذا فضلاً عن أن السبيّة يحل نكاحها لمجرد وقوعها في السبي حتى لو كان لها زوج (17) ، وذلك بعد استبرائها بحيضة كما سلف القول، أما الحرة المتزوجة فلا يمكن نكاحها إلا إذا مات عنها زوجها أو طلّقها، أما آية سورة"النساء"فالواضح من تركيبها أن على المسلم إذا أراد التعديد أن يعدل بين زوجاته، وإلا فلْيكتف بواحدة أو فلْيأخذ مما ملكت يمينه ما يشاء، هذا ما تقوله الآية أما تفسيرها على طريقة المستشرق النمساوي فمن الصعب الاقتناع به، ولسنا نقول هذا لأننا ندعو إلى إفلات الشهوات، فإن الحياة الحديثة في بلادنا تجعل من الصعب الشديد الصعوبة التزوج بأكثر من واحدة، فضلاً عن أن"ما ملكت اليمين"لم يعد لهن الآن أي وجود بحكم التطور التاريخي، لكننا نقرر ما نعتقد أنه هو التفسير الصحيح للآية، ولا ريب أن ما يشرعه القرآن في"ملك اليمين"هو أنبل وأشرف مما تفعله الجيوش الأوربية في أي بلد تجتاحه من اغتصاب النساء، وبقر بطونهن، وتعاور عدّة ذكور على المرأة الواحدة، وغير ذلك من الفظائع، فلا ينبغي إذن أن يُفْزِعنا المعيار الغربي، فهو معيار كله نفاق وغطرسة فارغة كذابة، والأستاذ أسد يعرف هذا أكثر من غيره.