فهرس الكتاب

الصفحة 9836 من 27364

وأخيراً وليس آخراً فلو جارينا محمد أسد في رأيه هذا لما كان له من معنى إلا أن الإسلام لم يضع لهذه الجريمة الشنعاء أية عقوبة، فهل هذا ممكن؟ حقاً هل هذا ممكن في الوقت الذي قد حدَّد فيه للسرقة عقوبة القطع، وهى جريمة أهون من جريمة الحرابة بكل المقاييس؟ أقول هذا لأن أسد لم يحاول أن يؤوِّل آية عقوبة السرقة (11) كما صنع مع آيَتَىِ الحرابة، بل دافع عن العقوبة الواردة فيها قائلاً إنها عقوبة عادلة جداً في ضوء ما تقوم به الحكومة الإسلامية من توفير المستوى المعيشي الملائم لكل فرد في الدولة مسلماً كان أو غير مسلم، ومن ثم فليس معقولاً أن يتحجج أحد بأنه قد وقع فريسة لإغراء السرقة، ثم تابع كلامه قائلاً: إنه إذا لم يقم المجتمع الإسلامي بتوفير المستوى المعيشي الملائم لأفراده فلا محل عندئذ لتطبيق عقوبة القطع (12) ، وهو كما يرى القارئ كلام معقول جداً وقد سار عليه عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في عام الرَّمادة، إذ سِيقَ إليه رجلان متَّهَمان بسرقة بعيرٍ وأَكلِْه، فكاد أن يطبِّق عليهما الحدّ، لكنه لما علم أنهما كانا واقعين تحت ضغط الجوع والحاجة أسقط عنهما العقوبة، وهدد بها سيدهما الذي كان يضيق عليهما في الطعام مما اضطرهما إلى الإقدام على هذه السرقة.

وبالنسبة لـ"الزنا"يقول أسد إنه في الإسلام شيء واحد، سواء كان الزانيان متزوجين أو عَزَبَيْن، وذلك على عكس ما هو مقرر في بعض اللغات الأوربية كالإنجليزية مثلاً ، إذ يسمَّى النوع الأول:"adulte r y"، والثاني:"fo r nication" (13) ، ويجد القارئ كلامه هذا في تعليقه على الآية الثانية من سورة"النور"وهى الآية التي تحدد عقوبة الزاني والزانية، ورغم أنه لم يفصِّل القول في هذه العقوبة فالمفهوم من عبارته ما دام لا يفرق بين زنا وزنا أنه لا يرى حدّاً للزنا إلا الجلد سواء كان مجترحه مُحْصَناً أو غير محصن، وتعليقاً على اشتراط القرآن الإتيانَ بأربعة شهود على واقعة الزنا يقول كاتبنا إن ذلك من الاستحالة بمكان، مما يدل على أن الإسلام يريد استبعاد أي طرف ثالث غير مرتكبي الواقعة، وقَصْرها على إقرار الزاني من تلقاء نفسه (14) ، ونضيف نحن أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن يقبل إقرار الزاني بسهولة، بل كان يراجعه ويحاول أن يتأكد بكل السبل أنه قد اجترح فعلاً هذا الإثم نفسه اجتراحاً صريحاً لا يقبل الشك على أي نحو من الأنحاء، بل لقد كان يمحِّص قواه العقلية، وهو ما يومئ إلى أن الإسلام يُؤْثِر في هذا الأمر الستر وعدم المسارعة إلى تطبيق الحد، أو تمزيق البناء الأسري.

وبالنسبة لتعبير"ما ملكت أيمانكم"الذي تكرر في القرآن المجيد يؤكد أسد خلافاً لما يقوله المفسرون والفقهاء أن الإسلام لا يُقِرّ الاتصال الجنسي بسَبِيَّةٍ أو أَمَةٍ دون زواج، وأن"ما ملكت أيمانكم"معناها:"من امتلكتموهن من النساء بحقٍّ بعقد زواج"، وأن تحديد النكاح بأربعٍ غيرُ خاص بالحرائر من النساء، بل يمتد ليشمل السبايا أيضاً، ذلك أنه يقرأ قوله - تعالى-: (( وإن خفتم ألا تَعْدِلوا فواحدةً أو ما ملكت أيمانكم ) )على أساس أن جملة (( فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدةً ) )هي جملة اعتراضية، و (( ما ملكت أيمانكم ) )معطوف على"النساء"، أي"انكحوا ما طاب لكم من النساء أو مما ملكت أيمانكم مَثْنَى وثُلاثَ ورُبَاع"، ومعنى هذا أنه لا فرق على الإطلاق بين الحرائر والإماء في مسائل الاتصال الجنسي والزواج (15) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت