فهرس الكتاب

الصفحة 9835 من 27364

أما ما قاله في الحرابة فليس من السهل قبوله، لقد تحدث القرآن الكريم عن جريمة الحرابة وعقوبتها في قوله - عزّ شأنه: (( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعَوْن في الأرض فساداً أنْ يُقَتَّلوا أو يُصَلَّبوا أو تُفَطَّع أيديهم وأرجلهم من خِلافٍ أو يُنْفَوْا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم* إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم ) ) (4) ، وكان تعليق أسد على ذلك أن تقطيع يدي الشخص ورجليه غالباً ما يراد به القضاء على سلطانه، وأن من الممكن أن يكون هذا هو المعنى المقصود هنا، أو قد يكون المراد تشويهه على الحقيقة والمجاز جميعاً، وأن التفسير الصحيح لعبارة"مِنْ خِلاف"هو"بسبب مخالفتهم (للدولة) "أو"بسبب فسادهم"، ثم أضاف قائلاً إن الآية لا تمثل في الواقع حكماً تشريعياً بل هي نبوءة بأن الذين يحاربون الله ورسوله سينتهي مطافهم حتماً إلى أن يُقَتِّل أو يُعَذِّب أو يُشَوِّه بعضهم بعضاً مما يترتب عليه القضاء على جماعات كثيرة من الناس بسبب تهالكهم على السلطة الدنيوية والمطالب المادية وهذا هو معنى النفي من الأرض في رأيه.

والذي جعله يقول بهذا التفسير هو أن التضعيف في"يُقَتَّلوا"و"يُصَلَّبوا"و"تُقَطَّع"يفيد حسب فهمه وقوع تلك الأفعال على أعداد كبيرة منهم لا عليهم كلهم بالضرورة، وهذا (في رأيه) محضُ تحكمٍ يعوذ بالله أن يكون تشريعاً إلهياً، فضلاً عن أن محاربة الله ورسوله قد تقع من فرد واحد، فكيف يمكن أن يُقْتَل أو يُصْلَب منه أعداد كبيرة؟ وفوق ذلك فهذا الحكم هو نفسه الحكم الذي أصدره فرعون على من آمن مِنْ سَحَرَته بموسى، فكيف يجعل الله - سبحانه - مثل هذا الحكم الفرعوني تشريعاً سماوياً؟ كذلك لم يحدث كما قال أن أصدر حاكمٌ مسلمٌ عقوبةَ النفي من بلاد المسلمين على أحد من الخارجين عليه، وفوق ذلك فإن استعمال كلمة"الأرض"بمعنى"بلاد الإسلام"هو استعمال لا يعرفه الأسلوب القرآني، ثم إن قوله - تعالى-: (( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يُقَتَّلوا أو يُصَلَّبوا أو تُقَطَّع أيديهم وأرجلهم من خلافٍ أو يُنْفَوْا من الأرض ) )ليس على سبيل الأمر لأن الأفعال الأربعة فيها كلها إنما جاءت بصيغة المضارع (5) .

هذا ما قاله مستشرقنا لكن فاته أن القرآن حين يقول: (( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله... ) )إنما يقصد النص على تحديد العقوبة بصرف النظر عن الصيغة الفعلية المستخدمة، وهذا واضح في قوله - تعالى-: (( ومَنْ قَتَلَه منكم(أى قتل صيد الحَرَم) متعمِّداً فجزاءٌ مِثْلُ ما قَتَل من النَّعَم )) (6) ، (( قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً إلا أن يُسْجَن أو عذابٌ أليم ) ) (7) ، (( ومن يقتل مؤمناً متعمِّداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها ) ) (8) ، (( قالوا جزاؤه مَنْ وُجِدَ في رَحْله فهو جزاؤه ) ) (9) ...إلخ، وحتى لو وافقنا كاتبنا على تفسيره للتقتيل وتقطيع الأيدي والأرجل فإن السؤال هو: إذا كان المحارب شخصاً واحداً كما قال فكيف يا ترى سيَقْتُل هذا الشخصُ أو يشوِّه بعضه بعضاً؟ كذلك قد يموت الخارجون على الدولة ميتة طبيعية دون أن يقتل أو يشوه بعضهم بعضاً كما يفسر محمد أسد العبارة، إن التضعيف في هذه الأفعال إنما يشير إلى أن الخارجين يجب أن يؤخذوا بكل عنف ودون لين أو هوادة مهما كثرت أعدادهم، أما حكم فرعون بهذه العقوبة على سَحَرَته المؤمنين فلا يعنى أنه في ذاته حكم فاسد، بل يعنى أن تطبيقه فقط كان ظالماً، أما حين يطَبَّق على وجهه الصحيح فإنه يكون عندئذ حكماً عادلاً، وبالنسبة للنفي من الأرض فقد حدث كثيراً في التاريخ الإسلامي وإن لم يَعْنِ بالضرورة النَّفي خارج ديار الإسلام كلية بل من المكان الذي يكون للمحارب فيه شوكة أو الذي يعيش فيه أهله وأصحابه ممن يؤلمه الابتعاد عنهم مثلاً (10) ، وإلى جانب هذا فإن الاستثناء في الآية الثانية من النص الذي بين أيدينا يدل على أن الكلام هنا إنما هو عن عقوبة تشريعية يُعْفي منها الذين تابوا من جريمتهم قبل أن تلقى السلطات يدها عليهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت