فهرس الكتاب

الصفحة 9834 من 27364

وفي النهاية أود أن أضبف أننا لا نجد هذا الرأي الغريب لأسد في الأنبياء في الكتب التي تُرْجِمَت له إلى العربية، لقد لمس مثلاً بشرية الرسول - عليه الصلاة والسلام - في موضعين من كتابه"الطريق إلى الإسلام"، وهذا نص ما قاله في الموضع الأول:"ومع ذلك فإنه - أي الرسول عليه الصلاة والسلام - لم يَدَّعِ يوماً إلا أنه بشر، ولم ينسب المسلمون إليه الألوهية قط كما فعل الكثيرون من أتباع الأنبياء الآخرين بعد وفاة نبيهم، والحق أن القرآن نفسه يزخر بالأقوال التي تؤكد إنسانية محمد (( وما محمد إلا رسول قد خَلَتْ من قبله الرسل أفإن مات أو قُتِل انقلبتم على أعقابكم ) )، كذلك فإن القرآن الكريم قد دلَّل على عجز النبي المطلق تجاه العزة الإلهية بقوله - تعالى-: (( قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضَرّاً إلا ما شاء الله ولو كنتُ أعلم الغيب لاستكثرتُ من الخير وما مسني السوء إنْ أنا إلا نذيرٌ وبشيرٌ لقوم يؤمنون ) )، ولا ريب في أن مَنْ حوله لم يحبوه هذا الحب إلا لأنه لم يكن سوى بشر فحسب، ولأنه عاش كما يعيش سائر الناس، يتمتع بملذات الوجود، ويعانى آلامه" (12) ، وهو تقريباً نفس ما نقرؤه في الموضع الآخر حيث يقول إنه - عليه الصلاة والسلام - كان"كائناً بشرياً مليئاً بالرغبات والدوافع الإنسانية، وبوعى حياته الخاصة، وفي الوقت عينه أداة طيِّعة لتلقِّى رسالته" (13) ، والنَّصّان رغم حرصهما على إبراز بشرية الرسول صلى الله عليه وسلم لا يتطرقان إلى مسألة العصمة النبوية، بل لا نلمح في عباراتهما ما يوحى بأن المؤلف يرى أنه - عليه الصلاة والسلام - عرضة للوقوع في الذنوب والآثام كأي شخص عادىّ، فهل هذا دليل على أن فكر كاتبنا قد تطور بعد ذلك إلى القول بأن الأنبياء يذنبون ويأثمون كغيرهم من البشر؟ أم هل كانت هذه الفكرة كامنة في أطواء نفسه آنذاك، لكنها لسبب أو لآخر لم تشقّ طريقها إلى الظهور في ذلك الكتاب؟

-بعض آرائه الفقهية:

فيما يلي سنناقش بعض المسائل الفقهية التي عرض لها مترجمنا في هوامش ترجمته للقرآن الكريم: فمن ذلك تكريره القول بأن الحرب المشروعة في الإسلام هي الحرب الدفاعية فقط (الحرب الدفاعية بالمعنى الواسع) ، وأن ذلك هو ما تقوله الآيات القرآنية التي تأمر المسلمين بمقاتلة من يقاتلونهم فحسب، وألا يبدأوا أحداً بعدوان كما في الآية 190 وما بعدها من سورة"البقرة"، والآية 39 من سورة"الحج"، والآية 227 من سورة"الشعراء"، والآية 39 من سورة"الممتحنة" (1) ، وهو يؤكد في نفس الوقت أن"الجهاد في سبيل الله"واجب ديني لا يتم الإيمان إلا به (an act of faith) (2) ، وأن الأمم التي يخاف أبناؤها الموت الجسدي ينتهي أمرها إلى الموت المعنوي، كما أن عودتها إلى الحياة تتوقف على عودتها إلى التمسك بالأخلاق من خلال التغلب على الخشية من الموت (2) .

وفي ضوء هذا نراه يفسر غزوات الرسول - عليه الصلاة والسلام - فعند حديثه عن غزوة بدر يقول: إن حالة"حرب مفتوحة"كانت قائمة بين المسلمين والمشركين منذ الهجرة، ومن هنا كان تفكير الرسول في مهاجمة القافلة القرشية العائدة من الشام والتي لم تكن رغم ذلك هي الهدف الحقيقي، وإلا لأخفي عزمه على مهاجمتها، ولانتظر حتى تمر في ميعادها وهاجمها عندئذ دون أن تكون لديها الفرصة للاستنجاد بقريش، أما هدفه الحقيقي فهو استفزاز الجيش المكي عن طريق الإشاعات عن عزمه مهاجمة القافلة حتى يبرز إليه ويشتبك معه في معركة يحدد هو زمانها ومكانها فيهزمه محقِّقاً بتلك الطريقة الاعتبار والأمن لأتباعه الذين كانوا ضعفاء إبانئذ، بدلاً من انتظار قريش حتى تغزوهم في الوقت والظروف المواتية لها (2) .

وانطلاقاً من مبدأ الدفاع عن النفس أيضاً يعلل أسد غزوة تبوك، إذ يقول إن الأخبار قد وردت النبي - عليه الصلاة والسلام - في المدينة حينئذ بأن الروم يجهزون جيشاً لغزو الجزيرة العربية والقضاء من ثم على الإسلام خشيةً من عواقب سرعة انتشاره، واستجابةً لتحريض أبى عامر الراهب، ولكن عندما لم يجد الرسول جيش الروم عاد أدراجه إلى المدينة لأن الإسلام لا يحارب إلا للدفاع عن النفس (3) ، ولست أظن أن عندي ما يمكن أن أعترض به على هذا الكلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت