فهرس الكتاب

الصفحة 9833 من 27364

ورغم كل ما أبدأ فيه محمد أسد وأعاد فإنه هو نفسه في حديثه عن عبوس رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أتاه ابن أم مكتوم يسأله في بعض أمور دينه أثناء انشغاله - عليه السلام - بمحاولة إقناعه بعض رؤساء المشركين في مكة بدعوته وهدايتهم إلى الإسلام قد قال: إن ما لا يزيد عن كونه مجرد هفوة تافهة من أي إنسان آخر في مثل هذه المسألة المتعلقة بالمجاملات الاجتماعية يُعَدّ مع ذلك في حق الأنبياء ذنباً كبيراً يستوجب العتاب، ثم يمضى قائلاً: إن معاتبة القرآن للرسول على مسمع من الدنيا كلها على ذلك النحو إنما هو دليل على أنه تنزيل من لدن رب العالمين،وأنه صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى (9) ، وهذا هو الذي أتفق فيه مع أسد ليس إلا، وهو هو نفسه ما صاغه علماؤنا القدامى - رضي الله عنهم - عندما قالوا:"حسنات الأبرار سيئات المقرَّبين"، كذلك قد صدرت عن قلم كاتبنا عبارة مهمة لا أدري كيف لم يستصحبها دائماً معه بدلاً من هذا الإلحاح المستمر على فكرة الضعف البشرى الأخلاقي الذي لا يفلت منه الرسل والأنبياء، وإمكان وقوعهم في أي ذنب من الذنوب التي يقترفها البشر؛ ألا وهى تذكيره بصدد التعليق على قوله - جل شأنه: (( ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سُنَّةَ الله في الذين خَلَوْا من قبل وكان أمر الله قَدَراً مقدوراً ) ) (10) بأن الكلام هنا إنما يدور على الأنبياء السابقين الذين تتوافق فيهم جميعاً هم والرسولل - عليه الصلاة والسلام - رغائبهم الشخصية مع إسلامهم أنفسهم إلى الله، وهو ذلك الانسجام الروحي والفطري الذي يميز صفوة خلق الله وقَدَرُهم المقدور كما تقول خاتمة الآية (11) ، ترى أين كان ذلك الكلام الجميل من قبل؟ إن هذا هو أحجى ما يقال عن أنبياء الله ورسله وأقربه إلى حديث القرآن المجيد عنهم، أما تصويرهم بصورة الضعفاء المهتزين الذين لا يملكون أنفسهم من الوقوع في أي من الذنوب والآثام كلما تهيأت الدواعي لذلك فلا ينسجم مع القرآن الذي يرفع النبيين والمرسلين مكاناً عَلِيّاً، ويثني عليهم أجزل الثناء، ويبرزهم على صفحاته نموذجاً فذّاً لا يُطال رغم بشريتهم التي يؤكدها في ذات الوقت، بل ينسجم بالأحرى مع اتجاه العهد القديم الذي ينسب إليهم الزنا والقتل والدِّيَاثة ومقارفة الفاحشة مع المحارم والكذب والغدر والتحايل على الله والجلافة في مخاطبته والإغضاء عن عبادة الأوثان في بيوتهم... إلى آخر ما سوّد به اليهود الملاعين صفحات كتبهم التي يزعمون أنها وحى من عند رب العالمين، ملطِّخين بتلك الطريقة الصُّوَر النبيلة لهؤلاء الصفوة من عباد الله!

ولقد رجعت بعد الفراغ من كتابة ما تقدَّم إلى"الفِصَل في المِلَل والنِّحَل"للإمام الجليل ابن حزم لأستعيد ما قالت الفِرَق الإسلامية في هذا الموضوع فوجدته يذكر أنهم اختلفوا في ذلك: فطائفةٌ قالت إن الرسل - عليهم السلام - يمكن أن يعصوا الله في جميع الكبائر والصغائر عَمْداً حاشا الكذب في التبليغ، بل إن بعض هؤلاء قد جوَّزوا عليهم الكفر أيضاً، كما جوَّزوا أن يكون في أمة محمد من هو أفضل منه، ويؤكد ابن حزم أن هذا كفر وشرك وردة عن الإسلام، وهناك من جوَّزوا عليهم الصغائر فقط عَمْداً أما الكبائر فلا، أما الذي تدين به أمة الإسلام من سنّة ومعتزلة وخوارج وشيعة ونجارية كما يقول ابن حزم فهو أنه لا يمكن البتة أن يقع من نبي معصية أصلاً لا كبيرة ولا صغيرة، وهذا رأيه هو أيضاً، وإن قال إنه قد يقع من الأنبياء السهو عن غير قصد، كما قد يقع منهم قصد الشيء يريدون به وجه الله - تعالى- والتقرب إليه فيوافق خلاف مراده - عزَّ وجلَّ -، إلا أنه تعالى لا يُقِرّهم على شيء من هذين الوجهين أصلاً، بل ينبههم على ذلك ويبيّنه، وربما عاتبهم عليه (11) ، وهذا الذي ذهب إليه ابن حزم هو نفسه ما وصلتُ إليه من خلال تحليل النصوص القرآنية تقريباً، وإنه ليسعدني أن يتوافق رأيي مع رأى ذلك العلامة العظيم، وإن كنت لا أستطيع أن أُقْدِم على تكفير محمد أسد في مثل هذا خشية أن يكون اجتهاداً منه خاطئاً لا يبغى به التطاول على الأنبياء أو إهانتهم والتحقير من شأنهم - عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين -، لكنى في نفس الوقت لا أستطيع أبداً أن أهضم ما قاله بأي حال!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت