ترى لو كان النبي - عليه السلام - قد شرب الخمر مثلاً، أو ضحَّى للأوثان، أو عُرِف عنه الكذب؛ أكان قومه يسكتون على ذلك؟ إن كل ما قالوه في بشريته لا يتعدَّى إنكارهم عليه أنه كان يأكل الطعام، ويمشى في الأسواق، وأن له زوجاً وذرية، إذ كانوا يريدونه مَلَكاً لا بشراً، وهذا كل ما هنالك! فهل يصح أن يقول مُسْلِمٌ في الرسول الكريم ما لم يقله المشركون؟
ولْيلاحظ القارئ أنني قد تجنبت الخوض في الجدال النظري البحت حول عصمته صلى الله عليه وسلم ، وسلكت بدلاً منه المنهج التاريخي والنفسي، واستنطقت النصوص ذاتها، فلم يصادفنا لا فيما وصلنا عن سيرته ولا في الآيات التي تحدثت عنه أو إليه أَىٌّ من تلك الذنوب المزعومة، ثم هل كان من الممكن أن يصفه القرآن رغم ذلك بقوله: (( وإنك لعلى خُلُقٍ عظيم ) )كما جاء في الآية السادسة من سورة"القلم"؟
كذلك لو كان داود - عليه السلام - قد صنع بأوريا هذا الذي ادُّعِىَ عليه أكان الله - سبحانه - تاركه دون مؤاخذة وعقاب وهو الذي عَرَّض يونسَ - عليه السلام - لتلك التجربة الفظيعة المرعبة، تجربة التقام الحوت له أياماً وليالي لمجرد غضبه من قومه، وإباقه إلى الفُلْك المشحون بسبب صلابة رقابهم، ولجاجهم في الكفر والطغيان؟ إن التآمر على قتل رجل بريء طمعاً في زوجته الجميلة ليس بالأمر الهين الذي يمكن أن تُعَدِّىَ عنه السماء بمثل هذه البساطة، وإلا فالعفاء على الأخلاق بل على النبوة ذاتها! والمضحك في الأمر أن من قَبِلوا من علماء المسلمين على داود هذه الدعوى الرقيعة (حسبما جاء في كلام كاتبنا) كانوا حُرَصاء في ذات الوقت على أن يبرِّئوه من تهمة الزنا، وكأن قتل الأبرياء بدمٍ باردٍ، وتخطيطٍ مسبقٍ، ودون خالجة من ضمير ليس بشيء بجانب هذه التهمة!
إن القصة القرآنية تقول: إن الأخ الغنىّ لم يأخذ من أخيه الفقير نعجته فعلاً بل كل ما في الأمر أنه سأله ضمَّها إلى نعاجه فهذا كل ما هنالك، أما لو كان هذان الخصمان ملكين أرسلهما الله إلى داود كما جاء في بعض كتب التفاسير لينبهاه على سبيل التلميح إلى الجريمة التي اقترفها فأي جدوى من ذلك التصرف ما دام قد سبق السيفُ العَذَل، وتمت الجريمة، ولم يعد سبيل لتداركها؟ إن هذا عبث لا تليق نسبته إلى المولى - عز وجل -، الذي يَقْدِر أن ينبِّه نبيَّه في هذه الحالة تنبيهاً مباشراً كما كان يفعل مع محمد صلى الله عليه وسلم حين كانت تنزل عليه هذه الآية أو تلك مشيرةً إلى ما وقع منه من اجتهاد لا تقرّه عليه السماء؟
ثم إذا كان الأنبياء يمكن أن يجترحوا جريمة القتل والتآمر على هذا النحو الشيطاني الخسيس فما الفرق بينهم وبين عُتَاة المجرمين إذن؟ إن الإنسان العادي لا ينحطّ في الغالب إلى هذه الدركة، فكيف يَتَدَهْدَى إلى مثلها الأنبياء والمرسلون الذين اصطفاهم الله على سائر خلقه، وصنعهم على عينه، وزوّدهم بالحكمة والتقوى على أحسن حال؟ وفضلاً عن ذلك فالقرآن يقول عن داود - عليه السلام - بعد واقعة الخصمين في سورة"ص"ذاتها: (( وإن له عندنا لَزُلْفي وحُسْنَ مآب ) ) (8) فكيف يمدحه الله - سبحانه - هذا المديح العظيم، ويأتي بعضٌ فيتهموه تلك التهمة الشنيعة جرياً وراء اليهود الملاعين الذين لم يتركوا نبياً ولا رسولاً إلا افترَوْا عليه أشنع ضروب البهتان في كتبهم؟ أنكذّب بالقرآن ونصدّق العهد القديم؟ كذلك فالآية التي تلي قصة المتخاصمين تحضه - عليه السلام - أن يحكم بين الناس بالحق ولا يتَّبِع الهوى، وهو ما يرجح أن تكون القصة متعلقة بمسائل القضاء والحكم بين الناس لا بمسألة أوريا وزوجته، ولو افترضنا بعد هذا كله أن لهذه القصة ظلاً من الحقيقة - ولا إخال - فإن أقصى ما يمكن قوله هو أن داود ربما سمع بجمال زوجة قائده فحدّثته نفسه قائلة: لماذا لم يُكْتَب له أن يرى تلك المرأة قبل أن يتزوجها أوريا فيتخذها هو لنفسه زوجة؟
أما يونس فإن ما صنعه حين ضاق صدره بما رآه من لَدَد قومه في الكفر والعصيان فتركهم ومضى على وجهه ليس سقطة أخلاقية، لا ولا هو تهاون في أداء الواجب، وكل ما يمكن التعليق به على تصرفه ذاك هو أن الله لم يأذن له بهجرة قومه، وإلا فإن الرسول محمداً صلى الله عليه وسلم قد ترك هو أيضاً بلده إلى بلد آخر رجاء أن يكون حظ الدعوة فيه أحسن، لكنه مع ذلك لم يُقْدِم على هذه الخطوة إلا بعد إذن الله له.
ونأتي إلى وكزة موسى التي ينبغي ألا يفوتنا أنها كانت قبل النبوة وكانت مجرد وكزة أراد بها - عليه السلام - أن يدفع غائلة العدوان أو على الأقل ما ظنه عدواناً على ابن جلدته في بلد كان الاضطهاد والعسف يتناوشان بني إسرائيل فيه، لا لشيء إلا لضعفهم وهوانهم آنئذ، لكن كانت للقدر مشيئة أخرى إذ مات المصري بسببها رغم أن موسى لم يقصد قتله البتة! ولْنلاحظ أن موسى قد أنبه ضميره على الفور، ولذَّعه تلذيعاً شديداً، وأخذ يبتهل لربه نادماً يطلب منه الغفران.