وفي كلمته التمهيدية التي قدَّم بها لسورة"القَصَص"يقول إن"معظم قصة موسى في تلك السورة تصوِّر الجانب البشرى الخالص في حياته، أو بتعبير آخر تصوِّر الدوافعَ وألوانَ الحيرة التي تشكِّل جزءاً من الطبيعة البشرية، وهو ما يبرزه القرآن إبرازاً رغبةً منه في مقاومة أي ميل لدى المتدينين إلى عَزْو أية صفات إلهية أو شِبه إلهية إلى أحد من رسل الله" (3) ، ثم بعد قليل يعقِّب على اقتتال المصري والإسرائيلي وتدخّل موسى - عليه السلام - ووَكْزه المصري الوكزةَ التي قضت عليه دون قصد منه، قائلاً إن"الآيتين 16- 17 من هذه السورة تومئان إلى أن الإسرائيلي لا المصري هو المخطئ، ومن الواضح أن موسى قد تقدَّم لمساعدة الإسرائيلي بدافع من الميل الغريزى نحو ابن جلدته دون اعتبار للصواب والخطأ في هذه القضية، وإن كان قد تبيَّن له أنه إنما اجترح إثماً فظيعاً، لا بقتله إنساناً بريئاً فحسب رغم أنه قتلٌ غير مقصود، بل بإقامته تصرفَه كذلك على أساس من التحيز العنصري" (4) .
وفي أحد الهوامش التي خصصها للتعليق على قصة يونس - عليه السلام - وإباقه إلى الفُلْك المشحون حين لم يجد من قومه آذاناً صاغية، يختم مستشرقنا تعليقه قائلاً إن الهدف من هذه القصة في القرآن هو أن تبيِّن لنا أنه ما دام قد"خُلِق الإنسان ضعيفاً"كما جاء في سورة"النساء"، فإن الأنبياء أنفسهم غير محصَّنين ضد أي لون من ألوان الضعف المركوزة في الفطرة البشرية (5) ، وهو ما يعنى بوضوح أنهم - عليهم السلام - يمكن أن يرتكبوا أي شيء مما يقع فيه البشر هان أو عَظُم، وقد كرر هذا المعنى ذاته في تفسيره لقوله - جل جلاله - مخاطباً نبيه محمداً - عليه الصلاة والسلام: (( لِيغفرَ لك الله ما تقدَّم من ذنبك وما تأخَّر ) )، إذ يؤكد أن الإنسان مهما ارتقى في معراج الخُلُق وكان حميد السجايا، فإنه عرضة للوقوع في الخطأ بين الحين والحين، وأن الآية تشير من طَرْفٍ خَفي إلى أن التحرر من الأخطاء مقصور على الله - سبحانه - (6) .
وفي ضوء هذا نستطيع أن نفهم ما قاله بصدد الحديث عن الخَصْمَيْن اللذين تسوَّرا المحراب على داود - عليه السلام - وشكا أحدهما الآخر إليه بأنه طلب منه نعجته الوحيدة التي لا يملك سواها كي يضمها إلى قطيعه الذي يبلغ تسعاً وتسعين نعجة...الخ، إذ تساءل قائلاً: هل الأنبياء معصومون من الذنوب والخطايا كما يقول علماء المسلمين القدامى أو لا؟ ثم يجيب بأن أولئك العلماء يذكرون أن داود قد أحب امرأة قائده العسكري أوريا ورسم خطة للتخلص منه كي يخلو له وجه الزوجة، إذ أمر أن يوضَع في مكان مكشوف على خط المواجهة مع الأعداء حيث قُتِل، وبعدئذ تزوَّج داود المرأة، وأنجب منها سليمان، وإن أنكروا في ذات الوقت أن يكون قد زنى بها إنكاراً شديداً (7) ومن الواضح هنا أيضاً أن أسد مع عدم عصمة الأنبياء.
وهو يرى أن قوله - تعالى- لرسوله صلى الله عليه وسلم: (( ألم نَشْرَح لك صدرك* ووضعنا عنك وِزرك* الذي أَنْقَضَ ظهرك* ... ) )يشير بكل وضوح إلى الأخطاء التي اقترفها - عليه السلام - قبل البعثة (8) ، ولكنْ أية أخطاءٍ تلك التي اقترفها النبي آنذاك؟
هنا يسكت أسد! بَيْدَ أنى لست أوافقه على أن معنى"الوِزْر"في الآيات الكريمات أخطاء ارتكبها الرسول في الجاهلية، إذ لو كان الأمر كذلك فلماذا تنقض هذه الأخطاء ظهره وهو لم يكن مكلّفاً آنئذ ولا آخذه الله عليها في أي موضع من القرآن، ولا اتخذها قومه تكأة للنيل من سمعته، أو للتشويش على أخلاقه ونبوته؟ علاوة على أنّ امتنان الله عليه بشرح صدره وطمأنته إياه بأنه ما من عسر إلا ومعه يسر إنما يشير بالأحرى إلى ضيق صدره - عليه السلام - بشيء من قبيل فتور الوحي عنه في أول الدعوة، أو معاندة المشركين له أو ما إلى ذلك، أي أن الوزر هنا نفسي لا أخلاقي، أما إذا كان المقصود بشرح الصدر دلالته المادية بمعنى شقّه واستخراج حظ الشيطان منه وغَسْله بالثلج أثناء طفولته الأولى في بادية بني سعد كما جاء في بعض الروايات فإن ذلك ينسف ما قاله محمد أسد عن الرسول من أساسه، إذ معناه أنه قد أصبح في حماية تامة من الوقوع في الذنوب والآثام.
وعلى أية حال فإنه صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يكون قد وقعت منه أخطاء مما يتحدث عنها الكاتب، وإلا لاتخذها المشركون حين جاءهم بالدين الجديد سلاحاً من أسلحة الحرب النفسية التي شنوها عليه منذ البداية، ترى لو كانت هناك أخطاء من ذلك النوع أكانوا يتركونها ويتهمونه بما يعرفون هم قبل غيرهم أنه باطل، من مثل أنه ساحر، أو مجنون، أو كذاب، أو أنه يكتب ما يحكيه من قصص الأنبياء السابقين وأممهم عن بعض الرقيق المكي من أهل الكتاب؟ أيعقل أن يكون في يد إنسان ما عملة سليمة فيلقى بها في عُرْض الطريق ويتخذ بدلاً منها نُقُوداً زُيُوفاً؟