فهرس الكتاب

الصفحة 9830 من 27364

ورأيي أن هذه حجج داحضة: فأولاً لو افترضنا أنه ليس هناك نساء في الجنة فعلاً كما يقول، فإن هذا لا يُسَوِّغ ترجمة الآية بالطريقة التي فسرها بها، بل كان ينبغي أن يلتزم بما جاء فيها، ثم فلْيقل في الهامش إن هذا مجاز، وإن المقصود بالإشارة إلى النساء في الآية هو كذا وكذا، ذلك أن نساء الجنة في هذه النقطة لا يختلفن في شيء عن لبنها وعسلها وخمرها وشجرها وأنهارها...إلخ، فسواء قلنا إن في الجنة عسلاً ولبناً مثلاً كعسلنا ولبننا، أو عسلاً ولبناً من نوع آخر يليق بالآخرة وخلودها، أو قلنا إنهما رمزان لمتع أخرى لا يمكن التعبير عن حقيقتها بلغتنا البشرية، فالواجب في كل هذه الحالات الإبقاء على ذكر اللبن والعسل، وفي الهامش متسع لتوضيح رأينا على النحو الذي نشاء، ولقد فعل الكاتب نفسه ذلك مع"الحدائق والأعناب، والكأس الدِّهاق"التي ورد ذكرها في هذه السورة (38) ، فلِمَ لَمْ يتّبع هذه الخطة هنا مع"الكواعب الأتراب"؟

وثانياً فإن كلمة"أتراب"في كل من المرتين الأُخْرَيَيْن اللتين وردتا في القرآن كانت وصفاً لنساء الجنة فلم تشذّ عن هذا هنا؟ وهاتان هما الآيتان المذكورتان:"وعندهم (أي عند المتقين في جنات عَدْن) قاصرات الطَّرْف أتراب" (39) ،"فجعلناهن (أي نساء الجنة) أبكاراً* عُرُباً أتراباً* لأصحاب اليمين" (40) ، وبالمناسبة فقد فعل أسد هنا في ترجمة"قاصرات الطرف أتراب"و"أبكاراً* عُرُباً أتراباً"ما اقترحتُه قبل قليل في ترجمة صفات نساء الجنة (41) ، فلم هذه التفرقة التي لا مسوِّغ لها إذن؟

يبدو لي - والله أعلم - أن صيغة جمع المؤنث السالم في النص الأول، وضمير جماعة النسوة في النص الثاني هما اللذان منعا مترجمنا من التمحُّل الذي لجأ إليه في ترجمة"الكواعب الأتراب"، فما رأى القارئ إذا قلنا له إن كلمة"كواعب"من حيث صيغتها لا تحتمل هنا إلا أن تكون للنساء، ومن ثم لا تصلح أن يكون معناها"الأصحاب أو الأقران"كما يريد منا الأستاذ أسد أن نفهمها؟ ذلك أن صيغة جمع التكسير"فواعل"لا تُسْتَعْمَل للعقلاء الذكور، اللهم إلا في"فوارس"و"سوابق"اللتين شذَّتا عن القاعدة (41) ، ثم إن"التِّرْب"هو المساوي في السن لا المتوافق المنسجم مع رفيقه كما ترجمها أسد.

-رأيه في عصمة الأنبياء:

من القضايا ذات الأهمية الشديدة التي تناولها محمد أسد في ترجمته التفسيرية للقرآن الكريم بَشَريَّة الرُّسُل ومدى انعكاسها على أخلاقهم وسلوكهم، فهو دائم الإشارة إلى هذه البشرية، وهى مما لا يُشاحّ فيه أحد، إذ إن رسل الله وأنبياءه كانوا كلهم فعلاً بشراً: هكذا تكلم التاريخ، أما إذا زعم أصحاب بعض الأديان هنا أو هاهنا أن نبيهم إله أو ابن إله فهو كلام لا يؤبَه له، وإن كان لكلٍّ أن يعتقد ما يشاء، وحسابه على الله، وهكذا أيضاً تكلم القرآن، إذ ذكر مراراً أن الرسل والأنبياء كانوا جميعاً بشراً من البشر، وأنهم يأكلون ويشربون ويَغْشَوْن الأسواق والمجامع، ثم في النهاية يموتون، ولا خلاف إذن مع محمد أسد في هذا، إلا أنه للأسف لا يتوقف عند هذا الحد، بل دائماً ما يجعل إشارته إلى بشرية الرسل منطلقاً للحديث عن أنهم أيضاً مثل سائر البشر معرَّضون للخطأ كلما سنحت الفرصة، ويبدو لي بقوة أن أبواب الأخطاء كلها مفتوحة عنده أمامهم كأي إنسان آخر.

فعلى سبيل المثال يقول عند تعليقه على قوله تعالى: (( وما أرسلْنا من رسول ولا نبي إلا إذا تمنَّى أَلْقَى الشيطانُ في أمنيّته فينسخ الله ما يُلْقِى الشيطانُ ثم يُحْكِم الله آياته والله عزيز حكيم ) )إن إلقاء الشيطان في أمنية النبي والرسولل معناه أن يكون هدفهما لا الأخذ بيد أمتهما في معراج الرقى الروحي بل إحراز القوة والنفوذ الشخصي، ثم يمضى فيستشهد بقوله عَزَّ من قائل: (( وكذلك جعلنا لكل نبي عدوّاً شياطينَ الإنس والجن ) ) (1) دون أن يوضح صلة هذه الآية بما نحن فيه (2) ، أتراه يريد أن يقول إن للشياطين من إنس وجن تأثيراً على الرسل والأنبياء حتى إنهم لَيَحْرِفونهم عن مسارهم الذي حددته لهم السماء إلى التطلع لغايات شخصية؟ لكنْ أي نبي أو رسول يا تُرَى استطاعت الشياطين أن توسوس له بوضع مطامحه في القوة والنفوذ الشخصي فوق الغاية النبيلة التي انتدبه لها رب العزة والجلال؟

ها هو ذا القرآن الكريم بين أيدينا وليس فيه شيء من ذلك على الإطلاق، أما إذا كان العهد القديم ينسب إلى أنبياء الله ورسله مثل هذه التطلعات وغيرها مما يشوه صورة النبوة ويلطخها، فهذا ليس برهاناً على صحة تلك الدعوى الخطيرة، لأن كتب اليهود مجرَّحة تجريحاً حسبما ذكر القرآن في أكثر من موضع، وكذلك حسبما أثبتت الدراسات النقدية التي تناولت هذه الكتب، سواءٌ تلك التي قام بها علماء المسلمين أو علماء الغرب أنفسهم، وعلى أية حال فالذي يهمنا في هذا السياق هو القرآن لأنه هو الذي يستند إليه أسد في تقرير ما قال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت