ثم فلنفترض أن ترجمة أ. أسد صحيحة فأي عقاب يا ترى ذلك الذي يشبه في شدته الحجارة والذي أرسله الله على قوم لوط؟ ترى أيصح أن نترك مثل هذا التعبير القرآني المُشْمِس ونذهب فنضرب في حنادس الأوهام الغامضة؟ لقد ذكر مترجمنا في موضع آخر من ترجمته أن هذه الحجارة الطينية تشير إلى وقوع انفجار بركاني، لكنه للأسف ترك هذا التفسير وجرى وراء الربط بين كلمة"سِجِّيل"في قوله - تعالى- عن نفس الواقعة: (( حجارة من سِجِّيلٍ منضود ) )وكلمة"سِجِلّ"وانتهى إلى تلك الترجمة الغريبة هنا وفي الآية 82 من سورة"هُود"، فهو عقاب لكنه ليس عقاباً بالحجارة بل في شدة الحجارة، أما"مِنْ سِجِّيل"فمعناها"مسجلة في لوح القدر: p r e-o r dained"، وتبقى كلمة"منضود"التي جعلها صفة لضربات العقاب - ولا أدرى كيف - فهي مذكَّر، والضربات مؤنَّثة، وهذه عبارته في نصها الإنجليزي:"and r ained down stone-ha r d blows of chastisement p r e-o r dained one upon anothe r"، ويستطيع القارئ أن يتبين بنفسه الآن كيف تمزقت أوصال الآية بلا رحمة أو داع!
ومن ترجمات أسد الغريبة التي يصعب إقراره عليها ترجمته كلمة"النجم"في قوله سبحانه: (( والنجمِ إذا هَوَى* ما ضَلَّ صاحبُكم وما غَوَى ) )بـ"قطعة الوحي الإلهي"على أساس أن القرآن قد نزل منجَّماً أي على دفعات لا جملةً واحدة (31) ، ولكن فاته أن القرآن لا يستخدم أيّاً من"النجم"أو"هَوَى"في الحديث عن الوحي، فكلمة"النجم"فيه إنما تدل على نجم السماء، اللهم إلا في موضع واحد يحتمل أن يكون المقصود بها نجم النبات، وذلك في الآية السادسة من سورة"الرحمن":"والنجم والشجر يسجدان"، أما بالنسبة لمجيء الوحي فيستعمل له القرآن فعلاً من مادة"ن ز ل"لا الفعل"هوى".
وأشدّ غرابةً من الترجمة السابقة تأديته لقوله - تعالى- في وصف سَقَر": (( لَوّاحةٌ للبشر ) ) (32) بما معناه أنها"تُليح للبشر (أى تُرِيهم) الحقيقة كلها"، يقصد كما وضَّح في الهامش أنها تجعلهم يبصرون أخيراً الحقيقة التي لم يكونوا يُقِرّون بها في الدنيا، وتُرِيهم خطاياهم وشرورهم ومسؤوليتهم عن معاناتهم وآلامهم في الجحيم، مخالفاً بذلك جميع المفسرين تقريباً، الذين يقولون إن المقصود هو أنها تَسْفَع وجوه الكافرين، وتغيِّر شكلهم (33) ، ومعروف أن من معاني الفعل"لاحَ":"غَيَّر وأضمر"كما في قولنا:"لاح العطشُ أو السفرُ أو الحزنُ فلاناً"، ومن ثم فكلمة"لوّاحة"هي صيغة مبالغة من هذا الفعل الذي ليس من معانيه"أَرَى فلانٌ فلاناً كذا وكذا"، وحتى لو قلنا إن هذا أحد معانيه فأين المفعول الثاني لكلمة"لوّاحة"؟"
ومما أخطأ فيه أسد بل انفرد بالخطأ حرفُ"الواو"في قوله عز شأنه: (( كلا والقمرِ* والليلِ إذا أدبر* والصبحِ إذا أسفر ) )، (( والصافّات صَفّاً ) )، (( والذاريات ذَرْوا ) )، (( والطُّورِ* وكتابٍ مسطور ) )، (( والمرسَلات عُرْفاً ) )...إلخ، إذ يترجمه بمعنى"تأمَّلْ واعتَبِرْ"، ولا أدرى على أي أساس فعل ذلك إذ هو قول لم يقل به أحد من المفسرين أو علماء النحو أو أصحاب المعاجم، إنه يسوّى بين"الواو"في هذه الآيات وبين قولهم في الإنجليزية:"by God" (34) مع أن الأمرين مختلفان، فمن الواضح أن"الواو"هنا هي للقَسَم لا للتعجب، والُمقْسَم به هو الاسم الواقع بعد"إنَّ"كما في الشاهد التالى:"والذارياتِ ذَرْواً* فالحاملاتِ وِقْراً* فالجاريات يُسْراً* فالمقسِّمات أَمْراً* إنّ ما توعَدون لَصادق* وإن الدِّين لَواقع )) (35) ، بل إن القرآن نفسه يصرح بأن هذا قَسَم، إذ جاء في سورة"الفجر": (( والفجرِ* وليالٍ عَشْر* والشَّفْع والوَتْر* والليل إذا يَسْرِ* هل في ذلك قَسَمٌ لِذى حِجْر ) )، كما تكرر القسم في القرآن بالظواهر الكونية وعناصر الطبيعة بلفظ القسم الصريح أكثر من مرة مثل: (( فلا أُقْسِم بالخُنَّس* الجَوار الكُنَّس* والليل إذا عَسْعَس* والصبح إذا تنفَّس* إنه لَقول رسول كريم ) ) (35) ، (( فلا أقسم بالشَّفَق* والليل وما وَسَق* والقمر إذا اتَّسَق* لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عن طَبَق ) ) (36) فماذا يبغى الأستاذ أسد أكثر من هذا؟"
وهذه النزعة إلى الانفراد بالآراء الغريبة لدى محمد أسد هي المسؤولة أيضاً عن ترجمته لقوله - تعالى- عن نساء الجنة: (( كواعب أتراب ) )لا بالناهدات الصدور المساويات لأزواجهن في السن كما تقول كتب التفسير وكما يقول الأسلوب العربى، بل بـ"splendid compagnons well matched: أصحاب رائعين متوافقين"، وهو يكشف السر وراء هذه الترجمة العجيبة قائلاً: إن متع الجنة التي يمثّل الكواعب الأتراب لوناً من ألوانها ليست حقيقية، إذ لا نساء في الفردوس، ومن ثم فـ"الكواعب"هنا هم الأقران البارزون (لأن الفعل"كَعَبَ"يدل على البروز بإطلاق لا بروز النهدين فقط) ، أما"الأتراب"فهم الذين يكون بينهم وبين أصحابهم توافق وانسجام" (37) ."