فهرس الكتاب

الصفحة 9828 من 27364

أما عبارة"رب المشارق"في سورة"الصافّات"فإنه يذهب خطوة أبعد، إذ لا يضع ما أضافه من كلمات بين معقوفتين، مما يوهم القارئ الذي لا علم له بالنص القرآني أنه هذا هو ما يقوله القرآن فعلاً وليس تفسيراً له من لدن المترجم، وهذا هو ما قاله:"the sustaine r of all the points of sun r ise"أي رب مشارق الشمس كلها (27) ، لكن من ذا الذي يستطيع أن يقول إن"المشارق"هنا مقصورة على مشارق الشمس وحدها؟ إن نجوم السماء لا أول لها ولا آخر حتى لقد ضُرِب بها المثل فيما يستحيل عدّه، ولكل نجم مشرقه ومغربه، وهذا هو الأحجى أن يكون تفسير العبارة القرآنية بدلاً من حصرها في الشمس وحدها دون أن يكون هناك ما يدعو إلى ذلك، وبمثل هذا أرى أنه ينبغي تفسير عبارة"ربّ المشرقين ورب المغربين"، أي ربّ مشرقي الشمس والقمر ومغربيهما لا"ربّ أبعد نقطتين من نقاط شروق الشمس وغروبها"حسبما جاء في ترجمة أسد (28) .

أما في ترجمة جملة"وهو في الخصام غير مبين"من قوله - تعالى- عن بعض الآباء في الجاهلية ممن كانوا يئدون بناتهم الرضيعات: (( وإذا بُشِّر أحدهم بما ضَرَب للرحمن مثلاً ظل وجهه مسودّاً وهو كظيم * أَوَمَنْ يُنَشَّأ في الحِلْيَة وهو في الخصام غير مبين ) )يخطئ أسد خطأ من نوع آخر إذ يظن أن الكلام في جملة"وهو في الخصام غير مبين"مقصود به الأب الذي بُشِّر بالبنت، وأغلب الظن أنه لما رأى أن الضمير المستعمل في الآية هو للمذكَّر انصرف ذهنه إلى الأب لا إلى البنت التي وُصِفَت في العبارة السابقة، وهى عبارة"مَنْ يُنَشَّأ في الحلية"، وإذا صح تفسيري لقد كان ينبغي أن يتنبه أسد إلى أن الضمير هنا أيضاً هو ضمير مذكر رغم استعماله للبنت، ووجه تذكيره أنه يعود على الاسم الموصول المبهم:"مَنْ"الذي نحن معه بالخيار: فإما أن نذكِّر الضمير العائد عليه ونُفْرِده دائماً وإما أن نطابق بينه وبين ما يدل عليه، فنحن نستطيع أن نقول:"رأيت من النساء من أُحِبّه"أو"رأيت من النساء من أحبها"، أما لو استخدمنا"التي"فلا بد من المطابقة فنقول:"رأيت من النساء التي أحبها".

إذن فقوله - تعالى-: (( أَوَمَنْ يُنَشَّأ في الحِلْيَة وهو في الخصام غير مبين ) )هو جملة استفهامية واحدة لا جملتان: إحداهما استفهامية على لسان الأب الساخط، والثانية خبرية داخلة في السرد كما حسب الأستاذ أسد، الذي يفهم الجزء الأخير من الجملة على أن المقصود بها الإشارة إلى الصراع النفسي المحتدم في نفس الأب: أيُبْقِى على حياة ابنته أم يئدها؟ فهذا الصراع في ظن المترجم هو الخصام المذكور في الآية، أما"غير مبين"فمعناها أنه صراع داخلي لا ينطق به اللسان، ومن ثم ترجم هذا الجزء من الجملة على النحو التالي:"ومن هنا يجد نفسه وقد مزقه صراع داخلي خفي" (29) ، والواقع أنها ترجمةٌ جِدّ غريبة لا يقبلها الذوق العربي ولا الأسلوب القرآني الذي استعمل مادة"خ ص م"سبع عشرة مرة لم تأت قَطُّ في أي منها بالمعنى الذي فهمه مترجمنا، بل كلها في الخصام بين شخصين أو جماعتين لا في الصراع الباطني بين رغبات الشخص المتعارضة، وحتى لو أردنا رغم ذلك كله أن نستخدم كلمة"خصام"في هذا المعنى لكان علينا أن نقول:"فلان في خصام مع نفسه"بزيادة عبارة"مع نفسه"مثلاً.

وفي قوله - جل شأنه - عن قوم لوط: (( لِنُرْسِل عليهم حجارةً من طين * مسوَّمةً عند ربك للمسرفين ) )يترجم كاتبنا عبارة (( حجارة من طين ) )بـ"ضربات عقاب شديدة كالحجارة" (30) ، ولست أستطيع أن أجد مسوِّغاً لهذا الذي فعله المترجم! لقد لاحظتُ كما سأوضح لاحقاً أنه دائماً ما يؤوِّل عذاب الآخرة ونعيمها وهذا أمر قد يحتمل الخلاف، أما تأويل مثل هذا العذاب الدنيوي فما وجهه؟ إن حجة القائلين بتأويل الأخرويات هي أنها بنص القرآن والحديث شيء مختلف عما نعرفه في الدنيا، لكن الأحداث الدنيوية هي وقائع تاريخية لا تقبل التأويل، ومثل هذا التصرف من شأنه أن يزعزع النص القرآني، فالمرجوّ أن نحترمه، وفي الهامش متسع لما نريد أن نقول وذلك بدلاً من تثبيت النص المقدس إلى الأبد على فهمنا الذي من المحتمل جداً أن يكون خاطئاً بل هو هنا خطأ بكل يقين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت