هذا الافتراق بين الدراسات النصرانية و الدراسات للأديان - غير النصرانية - موجودٌ بعمق في حقل الدراسات الدينية. و لا بد من معالجة هذا الوضع بزيادة الأبحاث الميدانية في واقع التدين النصراني الحديث من جهة، و بزيادة الدراسات المنهجية للعقيدة في الأديان الأخرى.
وإن من الضرورة بمكان أن ننتبه إلى أن حقل دراسات الأديان - غير الغربية - قد تأثر إلى حدٍ كبير بظروف نشأته التاريخية. فقد نشأ الاستشراق في القرن التاسع عشر مع التوسع الاستعماري الذي كان يحتاج إلى فهم ثقافات الشعوب المستعمَرة ليتمكن من نشر الدعاية للمدنية الغربية بشكل أفضل. و لذا لم يكن مستغرباً أن يتزايد الاهتمام بالدراسات الإسلامية في الفترة الاستعمارية لارتباطه بإيجاد المبرر الفكري للاستعمار. و لم يجرِ سبرُ و فحصُ استغلال و استعمال النتاج الفكري قبل قيام هذا النتاج بتركيب القوى في المجتمع الذي أنتجه إلا في الستينات من هذا القرن من خلال الكتابات الفلسفية لأمثال (مايكل فوكو) . و كذلك ساهم بعض العلماء - و المسلمون والعرب منهم بشكل خاص في فضح عددٍ من المستشرقين و في تبيان مناهجهم. و قد بلغ هذا النقد شأوه عندما عُمِّمَ مجال النقد الأدبي و تحليل النصوص عبر النقد المنهجي الذي يهدم طرق المستشرقين و مجالات بحثهم، وكانت الصورة المُثلى لهذا البحث الذي نشره (إدوارد سعيد) في كتابه (الاستشراق) و الذي أصبح مشهورا عالميا. و رغم أن الاستشراق كظاهرة - فَقدَ رصيده و احترامه حتى أن هذه الكلمة أصبحت تستعمل لوصف فكرةٍ أو كاتب لا نتفق معه، إلا أنه - أي الاستشراق - ما زال المصدر و المرجع للدراسات المتعلقة بالإسلام.
يحمل الاستشراق أهدافاً فكريةً تتمثل في إثبات دونية البنية الاعتقادية و العملية للأديان غير الغربية و ذلك لتبرير فرضِ قيم و مؤسسات الثقافة الغربية (وخاصة المؤسسات السياسية و الاجتماعية تحت شعار الديموقراطية و التحديث و العلم) ، و ذلك كما بين (إدوارد سعيد) بأمثلة تفوق الحصر. لقد كان التحيز الوقح للمستشرقين مدعاةً للشك في انتمائهم للعلم، و كان هذا أيضاً هو الأمر الذي طرحته الحركات الرافضة المعادية للمؤسسات في أمريكا في الستينيات. و قد صادف أن الاهتمام بالأديان الأخرى غير النصرانية و الذي تزايد من خلال هذه الحركات ساهم جزئياً في التحريض على إنشاء أقسام أديان، و سُمِح لهم باكتساب الاستقلال عن أقسام الفلسفة. و بذلك أصبح الاختصاص بحقول الدراسات الإسلامية و الأديان الشرقية واسعاً ومُنتشرا، و جاء مع ذلك المساهمات العلمية التي أبرزت التحدي للمناهج و المؤسسات القديمة.
و على هذا فالمشكلة الرئيسية في مجال الدراسات الدينية تنبع من حقيقة أن أكثر الأعمال الأساسية فيها جاءت عن طريق الفلسفة أو الاستشراق حيث لا يتعامل أي منهما مع الدين كعقيدة ونظام حياة و لا يستخدم منهجية الظاهراتية على الإطلاق. و كان فهم الدين يُستنبط و يُحمل على شرح و بيان الجمود الاقتصادي عند المسلمين، أو أي قصور في الثقافة الإسلامية بالقياس إلى الثقافة الغربية. فالخلفية الثقافية للعلماء الغربيين و النقص النسبي في معالجة قضايا الاعتقاد في الأديان الأخرى، يجعلهم يفسرونها بشكل لا يمكن أن يُقرِّهُ أهل تلك الأديان. إن من الطبيعي أن يقرأ المرء ثقافته من خلال دين آخر، و لكنه ليس من الطبيعي على الإطلاق الادعاء أن هذه القراءة هي القراءة الصحيحة و الموضوعية، و هذه بشكل أساسي هي المشكلة مع الدراسات المعاصرة في حقل الأديان غير الغربية. و كما أكَّد (فوكو) و (تشومسكي) و (إدوارد سعيد) فإن النفوذ السياسي ما زال له دورٌ في قبول العمل العلمي و الحكم على درجة معقوليته، و باعتبار أن النفوذ السياسي العالمي يكمن في قبضة الغرب، فإن الاستشراق لا يستند في مرجعيته إلى التزام المعايير الموضوعية بل إلى القوة السياسية الكامنة في الثقافة التي أنتجته. و الحقيقة أن أكثر الأعمال العادية للعلماء الغربيين لا تتطلب أكثر من ترديد آراء المستشرقين عن الإسلام لتلقى الترحيب و تحصل على الدعم المالي و تنال الشهرة رغم احتياجها للمؤهلات و الجدارة العلمية، وهذه حالةٌ يمكن أن تُلاحظ بوضوح في كل أرجاء العالم.
و رغم أن الجيل الجديد من العلماء يبدون قدراً متزايداً من النقد الذاتي، إلا أن التكبُّر في الدراسات الاستشراقية لا يزال موجوداً و بحاجة إلى الاقتلاع. و باختصار، تتمثلُ الموروثات التي تحمل إشكاليةً سلبية في حقل الدراسات الإسلامية في هذه المجموعة من النقاط:
1.الجهل بعقيدة و مفردات الإيمان الكامنة في الدين الأجنبي (وخاصةً الإسلام في هذه الحالة) .
2.الميل الطبيعي لقراءة الأديان الأخرى من وجهة نظرٍ محدودة بالرؤية الخاصة لمن يمارس تلك القراءة.
3.التحيز الاستعماري و الانطلاق من عقلية امتلاك المرجعية.