فهرس الكتاب

الصفحة 5855 من 27364

ومنذ كان رجب رئيساً لفرع"حزب السلامة"بولاية إسطنبول تعلق بشدة بقائده وقدوته نجم الدين أربكان، إلى حد أنه أطلق اسم نجم الدين على أحد أبنائه.

وكان أربكان يثق في أردوغان كثيراً ويرحب بكل من ينضم إلى الحزب عن طريقه، وكان الشيخ يؤيد أردوغان في أي تغيير يدخله على الحزب.. إلى أن حُلّ"حزب الرفاه"عام 1997م.

ومازال أردوغان يكن الاحترام والتقدير لشيخه أربكان حتّى بعد خروجه من السجن في 24 يوليو 1999م، إلى أن انفصل عنه عام 2001م ليؤسس"حزب العدالة والتنمية" (3) .

محن سياسية

وككل قائد سياسي جريء، فإن السجن طريق لا بد منه ليعدل القائد من مواقفه ويعتدل ليتسلم مقاليد الحكم بشكل مشرف ونبيل.

لقد انزعجت بعض القوى العلمانية في البلاد ممّا ناله أردوغان من إعجاب سكان إسطنبول أكبر مدينة في تركيا عندما كان رئيساً لبلديتها، بسبب نجاحه الباهر في تقديم الخدمات البلدية وتنظيم حياة المدينة ومحاربة الفساد في الأسواق وتقديم المساعدات للمحتاجين والطلبة.

وأدّى ذلك إلى محاكمته وسجنه بموجب مادّة في القانون الجزائي تجرّم كل من يقوم بتأجيج مشاعر التفرقة العرقية أو الدينية في تركيا.

وقامت تلك التهمة على أساس أبيات من الشعر ألقاها أردوغان الذي يتمتع بموهبة فائقة في إلقاء الشعر بصوته الشجي، خلال أحد الاجتماعات العامّة لحزب الرفاه بمدينة"سعرد"جنوب شرقي الأناضول.

يقول الشاعر التركي ضياء كوكالب في تلك الأبيات:"المآذن رماحنا، والقباب خوذاتنا، والجوامع ثكناتنا، والمؤمنون جنودنا".

ورغم أن هذه الأبيات مدرَجة في الكتب المدرسية وتدرّس للطلبة في المدارس الحكومية، إلاّ أنها إذا خرجت من فم سياسي معارض تصير تهديداً لأمن البلد وزرعاً للفرقة الطائفية والدينية، كما ورد في نص التهمة التي واجهها أردوغان عام 1988م.

واعتبرت المحكمة أن تلك الأبيات تؤدي إلى إثارة المشاعر الدينية لدى المواطنين، تلك المشاعر التي طالما عملت الحكومات التركية المتعاقبة على كبتها ولكنها لم تنفجر يوماً بشكل همجي لتدخل البلاد في حرب أهلية أو طائفية. وحكمت المحكمة عليه بالسجن لمدة أربعة أشهر في ربيع 1998م، ممّا جعل منه بطلاً وطنياً في عيون الشعب التركي المتحمس آنذاك للمشروع الإصلاحي الإسلامي الذي قاده الشيخ أربكان (4) .

حزب تجديدي

وكما يقال:"رب ضارة نافعة"فإن تلك الأشهر الأربعة عادت على رجب بالخير، فقد خرج من السجن بأفكار إصلاحية وأسلوب معتدل، فقد تخلّى عن اللهجة الحادّة، وأعلن عند خروجه من السجن مباشرة أنه"غير قميصه السياسي"، إلا أن المعارضة العلمانية اعتبرت تغيير القميص تقية، يهدف أردوغان من خلالها إلى السيطرة على أجهزة الدولة لقلب النظام والانقلاب على النهج العلماني (5) .

ومازال هذا الفصيل لم يدرك المفهوم الحقيقي للعلمانية الذي يؤمن به أردوغان والذي شرحه في أكثر من مناسبة.

وبعد خروجه من السجن بأشهر قليلة قامت المحكمة الدستورية في 8 مايو 1999م بحل"حزب الفضيلة"الذي قام بديلاً عن"حزب الرفاه"، فانقسم نواب"حزب الفضيلة"إلى جناحين، جمع الجناح الأول من تبقى من النواب المحافظين في"السعادة"الذي لم يتمكن من دخول البرلمان عقب انتخابات 2002م، لعدم حصوله على 10% من أصوات الناخبين.

أما التجديديون من الشباب، مثل رجب طيب أردوغان وعبدالله جول. فقد أسسوا حزب"العدالة والتنمية"بقيادة رجب طيب أردوغان، في 14 أغسطس 2001م، أي بعد حوالي شهر من تأسيس الجناح الآخر لحزب السعادة.

انتصارات مجتمعية للعدالة

وخاض"حزب العدالة"الانتخابات التشريعية في 2002م، وفاز ب363 نائباً، محققاً بذلك أغلبية ساحقة مكنته من تشكيل حكومته الحالية التي لم يترأسها بنفسه بسبب تبعات الحكم السابق الذي قضى من أجله أشهراً في السجن، ولذلك فقد أوكل مهمة رئاسة الحكومة إلى وزير الخارجية الحالي عبدالله جول في 16نوفمبر 2002م، حتى 14 مارس من نفس السنة، وحين سقط عنه الحكم بعدم ممارسة السياسة، تسلم أردوغان رئاسة الحكومة التركية.

وكان فوز"العدالة والتنمية"حدثاً تاريخياً بالنسبة إلى البرلمان التركي الذي لم يشهد حكومة حزب واحد منذ سنة 1987م. وكان"العدالة والتنمية"قد حصل في تلك الانتخابات على 363 مقعداً في البرلمان في حين لم يحصل"حزب الشعب الجمهوري"ممثل القوى العلمانية إلا على 179 مقعداً.

أردوغان لاعب كرة قدم

وظهر أردوغان بحزبه الجديد في فترة عرف فيها الشعب التركي حالة من اليأس والإحباط من الحياة السياسية، خصوصاً بعد الفضيحة التي شهدها مجلس الأمن التركي في 2001م، حيث ألقى رئيس الحكومة آنذاك بكتيّب الدستور في الهواء ممّا أفقد ثقة الشعب فيه وفي كافة الأحزاب السياسية.

إعادة الثقة في الدولة والدستور

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت