فهرس الكتاب

الصفحة 21084 من 27364

ثم من أجلاء المحدَثين الشيخ محمد بن إبراهيم الذي يقول في فتاواه:"وأما الذي قيل فيه أنه كفر دون كفر إذا حاكم إلى غير الله مع اعتقاد أنه عاص وأن حكم الله هو الحق فهذا الذي صدر منه المرة ونحوها، أما الذي جعل قوانين بترتيب وتخضيع فهو كفر وإن قالوا أخطأنا وحكم الشرع أعدل، فهذا كفر ناقل عن الملة" [[11] ].

ثم الشيخ المحدث المحقق أحمد شاكر والعلامة الجليل محمود شاكر في شرحهما وتحقيقهما على بن كثير والطبري، قال أحمد شاكر في بيان حكم من يتلاعب بآثار بن عباس وأبي مجلز من فروخ العلماء:"الله إني أبرأ إليك من الضلالة، وبعد، فإن أهل الريب والفتن ممن تصدوا للكلام في زماننا هذا، قد تلمس المعذرة لأهل السلطان في ترك الحكم بما أنزل الله وفي القضاء في الدماء والأموال والأعراض بغير شريعة الله التي أنزلها في كتابه وفي اتخاذهم قانون أهل الكفر شريعة في بلاد الإسلام. فلما وقف على هذين الخبرين، اتخذهما رأيا يرى به صواب القضاء في الدماء والأموال والأعراض بغير ما أنزل الله وأن مخالفة شريعة الله في القضاء العام لا تكفر الراضي بها والعامل عليها. والناظر في هذين الخبرين لا محيص له من معرفة السائل والمسئول، فأبو مجلز - لاحق بن حميد الشيباني الدوسي - تابعي ثقة وكان يحب عليا وكان قوم أبي مجلز وهم بنو شيبان من شيعة علي يوم الجمل وصفين، فلما كان أمر الحكمين يوم صفين، واعتزلت الخوارج، كان فيمن خرج على علي طائفة من بني شيبان ومن بني سدوس بن شيبان بن ذهل، وهؤلاء الذين سألوا أبا مجلز ناس من بني عمرو بن سدوس وهم نفر من الإباضية... هم أتباع عبد الله بن إباض من الحروروية - الخوارج - الذي قال: إن من خالف الخوارج كافر ليس بمشرك! فخالف أصحابه..."

ومن البين أن الذين سألوا أبا مجلز من الإباضية إنما كانوا يريدون أن يلزموه الحجة في تكفير الأمراء لأنهم في معسكر السلكان، ولأنهم ربما عصوا أو ارتكبوا بعض ما نهاهم الله عنه، ولذلك قال في الأثر الأول: فإن هم تركوا شيئا منه عرفوا أنهم قد أصابوا ذنبا، وقال في الخبر الثاني: إنهم يعملون بما يعملون وهم يعلمون أنهم مذنبون.

وإذن، فلم يكن سؤالهم عما احتج به مبتدعي زماننا من القضاء في الدماء والأموال والأعراض بقانون مخالف لغير شرع الإسلام، ولا في إصدار قانون ملزم لأهل الإسلام، بالإحتكام إلى حكم غير الله في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم فهذا الفعل إعراض عن حكم الله ورغبة عن دينه وإيثار لأحكام الكفر على حكم الله سبحانه وتعالى، وهذا كفر لا يشك أحد من أهل القبلة على اختلافهم في تكفير القائل به والداعي له.

والذي نحن فيه اليوم، هو هجر لأحكام الله عامة دون استثناء وإيثار أحكام غير حكمه، في كتابه وسنة نبيه، وتعطيل لكل ما في شريعة الله... فإنه لم يحدث في تاريخ الإسلام أن سن حاكما حكما جعله شريعة ملزمة للقضاء بها.

وأما أن يكون كان في زمان ابي مجلز أو قبله أو بعده حاكم حكم بقضاء في أمر جاحدا لحكم الله أو مؤثرا لأحكام أها الكفر على أهل الإسلام (وهي حال اليوم من آثر أحكام الكفر علىأحكام الإسلام) فذلك لم يكن قط، فلا يمكن صرف كلام أبي مجلز والإباضيين إليه، فمن احتج بهذين الأثرين وغيرهما في بابهما، وصرفها عن معناها، رغبة في نصرة السلطان، أو احتيالا على تسويغ الحكم بما أنزل الله وفرض على عباده، فحكمه في الشريعة حكم الجاحد لحكم من أحكام الله، أن يستتاب، فإن أصر وكابر وجحد حكم الله ورضي بتبديل الأحكام، فحكم الكافر المصر على كفره معروغ لأهل هذا الدين". ويقول أخوه العلامة المحدث أحمد شاكر:"إن الأمر في هذه القوانين الوضعية واضح وضوح الشمس، هي كفر بواح، لا خفاء فيه ولا مداورة، ولا عذر لأحد ممن ينتسبون إلى الإسلام - كائنا من كان - في العمل بها أو الخضوع لها أو إقرارها، فليحذر إمرؤ لنفسه"وكل إمرئ حسيب نفسه".

ألا فليصدع العلماء بالحق غير هيابين، وليبلغوا ما أمروا بتبليغه، غير متوانين ولا مقصرين.

سيقول عني"عبيد هذا الياسق الجديد"وناصروه أني جامد وأني رجعيّ وما إلى ذلك من الأقاويل، ألا فليقولوا ما شاؤوا، فما عبأت يوما بما يقال عني ولكني أقول ما يجب أن أقول" [[12] ]."

ويقول الشيخ الجليل بن باز رحمة الله عليه فيما نشر في مجلة الدعوة العدد (963) في [5/2/1405هـ] :"الحكام بغير ما أنزل الله أقسام، تختلف أحكامهم بحسب اعتقادهم وأعمالهم، فمن حكم بغير ما أنزل الله يرى أن ذلك أحسن من شرع الله فهو كافر عند جميع المسلمين، وهكذا من يحكِّم القوانين الوضعية بدلاً من شرع الله ويرى أن ذلك جائزاً، حتى وإن قال: إن تحكيم الشريعة أفضل فهو كافر لكونه استحل ما حرم الله" [[13] ]. فهذا بيّن في رأي بن باز أن مجرد الحكم يدل على الإستحلال.

مثل هؤلاء العلماء هم الذين قال الله تعالى فيهم:"أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده" (الأنعام: 90) . أمثال هؤلاء هم الذين يجب اتباعهم والحرص على فتاواهم لا متابعة رويبضات [[14] ] العلم.

إذن، فإن فتوى الشيخ القرضاوى في هذا الأمر ليس مما يعتد به، بل هي مما يزكم الأنوف بما تحمله من روائح الإرجاء الذي درج عليه منتسبو الإخوان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت