5)جمع الصلوات بلا عذر:
جاء في بنك الفتاوى [[15] ]: سؤال: ما حكم من لم يستطع أداء الصلاة في وقتها؟
"هذه لها حل شرعي وهو ما جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنه الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه"أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء في المدينة في غير سفر ولا مطر"وفي رواية"في غير خوف ولا سفر"يعني لا خوف ولا سفر ولا مطر، إنما جمع في المدينة، قالوا لابن عباس ماذا أراد بذلك؟ قال أراد ألا يحرج أمته، يعني أراد رفع الحرج عنها وهذا الحديث في الواقع يعطينا الحل والمفتاح لحل هذه المشكلات التي تتفاوت فيها الأوقات، فيجوز للمسلم إذا كان العشاء يتأخر جداً في الصيف أن يجمع العشاء مع المغرب جمع تقديم، وفي الشتاء يكون الظهر والعصر الوقت ضيق جداً والإنسان في عمله فهنا يجمع إما يجمع العصر مع الظهر جمع تقديم أو يجمع الظهر مع العصر جمع تأخير، حسب المتيسر له، فهذا كله فيه حرج والنبي صلى الله عليه وسلم كما ذكر راوي الحديث وحبر الأمة ابن عباس أراد ألا تُحرج أمته، أراد أن يرفع عنها الحرج والضيق ويوسع عليها، فهذه الفتوى قال بها الإمام أحمد قال ابن سيرين من التابعين أن أي ضيق وأي حاجة وأي حرج الإنسان يجمع بين الصلاتين".
والفتوى بهذا القدر ليست صحيحة على الإطلاق، فإن مبدأ الرد على السائل في مثل هذا الأمر بهذه الصيغة أن نذكّره أن الصلاة"كانت على المؤمنين كتابا موقوتا"وأنه مما علم من الدين بالضرورة ومما تقعّد من أصول الدين وتمهّد من قواعد الفقه أن الصلاة لها مواقيت محدودة لا يصح الإستهانة بها ولا محاولة تعدّيها، بل الأوجب والأصل أن يلتزم المسلم بالمحافظة عليها. أليس هذا ما يبدأ به العالم إن كان ربانيا، لا أن يبحث عن"الحلّ الشرعي"لكل مخالفة شرعية؟!
ولكن الشيخ قد أصلح بعض ما أفسد في رده على سائل آخر في فتوى أخرى بقوله:"فإذا كان هناك حرج في بعض الأحيان من صلاة كل فرض في وقته، فيمكن الجمع، على ألا يتخذ الإنسان ذلك ديدنًا وعادة، كل يومين أو ثلاثة.. وكلما أراد الخروج إلى مناسبة من المناسبات الكثيرة المتقاربة في الزمن. إنما جواز ذلك في حالات الندرة، وعلى قلة، لرفع الحرج والمشقة التي يواجهها الإنسان" [[16] ].
هذا ما ذكره القرضاوى، وهو صحيح لا غبار عليه فبارك الله فيه، وسنزيد الأمر بيانا إذ أن ذلك مما يحتاجه هذا المقام خاصة وفتوى الشيخ القرضاوى الأولى مبهمة لا تشفى غليلا بل تسهّل على السائل تفويت الأوقات وإهمال الصلوات.
ونص الحديث الذي يشير اليه القرضاوى هو ما رواه الجماعة عن بن عباس:"أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالمدينة سبعا وثمانيا الظهر والعصر والمغرب والعشاء"وفي لفظ الجماعة إلا البخاري وبن ماجة"قيل لإبن عباس: ماأراد بذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته".
إن قول الجمهور [[17] ] في هذه المسألة هو أن الجمع بغير عذر لا يجوز. واليك بيان ما ذكره العلماء في هذا الحديث، فقد اختار النووي أن ذلك كان بسبب المرض لأن الثابت هو رواية"من غير خوف ولا سفر"والرواية الأخرى"من غير خوف ولا مطر"فالمرض هو العذر الذي جمع فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لئلا يحرج أمته، وله شاهد من تأجيل الصيام وغيره من أحكام المرض. وقوّى الحافظ بن حجر قول أنها كانت بسبب الغيم. وقد رجح القرطبي وبن الماجشون وإمام الحرمين الجويني والطحاوى وبن سيد الناس وغيرهم أنه جمع صوري، أي أنه صلى بأصحابه في آخر الظهر ثم في أول العصر فكانت صورة جمع لا جمع حقيقي. ومما يقوى هذا الوجه هو ما رواه النسائي عن بن عباس - راوى الحديث الأول - أنه"صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر جميعا والمغرب والعشاء جميعا أخّر الظهر وعجّل العصر وأخّر المغرب وعجّل العشاء". فهذا راوى الحديث الأول بن عباس يروى ما يقوى هذا الوجه ويبين مغلقه. كذلك فإن ما يؤيد الجمع الصورى ما رواه الشيخان عن عمرو بن دينار أنه قال لأبي الشعثاء - راوى الحديث الأول عن بن عباس: يا أبا الشعثاء أظنه أخر الظهر وعجل العصر وأخر المغرب وأخر العشاء، قال أبو الشعثاء: وأظنه. كذلك ما رواه بن جرير الطبري عن بن عمر"خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يؤخر الظهر ويقدم العصر فيجمع بينهما ويؤخر المغرب ويقدم العشاء فيجمع بينهما". كلّ هذا يدل على أن الجمع كان صوريا لا حقيقيا لكل هذه الآثار ولما هو من قبيل عدم معارضة الأصول الثابتة في مواقيت الصلاة التي هي أرسخ من هذا الحديث. وهذا بلا شك فيه تخفيف على الأمة من أن يكون تكون الصلاة دائما في أول الوقت وهو ما فيه مشقة فبين صلى الله عليه وسلم أنه يمكن أن تكون متأخرة حتى نهاية الوقت للحاجة. وقد أجمع العلماء على أن ذلك لايجب أن يتخذ عادة مستقرة بل يكون لحاجة مؤقتة. فإن كان هناك حرج في وقت من الأوقات على فرد من الأفراد فهذا أمر يقدّر بقدره، ولكن أن يفتح الباب على مصراعيه بصفة دائمة لحاجة العمل، فإن في هذا اعتداء على الشريعة وتجرؤ على دين الله لا يغتفر!! ثم إن هذا الأمر مما يلتحق بعموم البلوى وما ينشأ عن ذلك من النظر في قاعدة المشقة تجلب التيسير، وهل هو مما يعمّ كل المكلفين في كل الأوقات أم بعض المكلفين في بعض الأوقات أو بعض المكلفين في بعض الأوقات، ثم ما هي درجة الخصوصية في هذا الأمر بالنسبة للمكلف، ثم تحديد معنى المشقة المرعية، وهل هي مما ينفك عن العبادة أم مما لاينفك عنها عادة، وهي أمور يرجع فيها الناظر إلى مظانها من كتب الأصول والقواعد.
وللشيخ عطية صقر [[18] ] فتوى في هذا الباب مما يستحسن الرجوع اليه إذ هي فتوى تدل على علم وفقه، لا محاولة التخفيف واتباع أهواء الناس.
ثم بعد هذا البيان، نتوجه للشيخ القرضاوى بأن يلمّ شعث نفسه وأن يتقى الله فيما يصدر عنه من أقوال وفتاوى، فإنه لا سند لكثير مما يدّعى في منهجية أهل السنة وأصولها، وليحقق أقواله بدلا من إلقائها على عواهنها فليس هذا بسمت العلماء، وهو منهم. ثم يعترى النفس حزن وأسى على الكثير من أبناء هذا الجيل الذين لا يعرفون من قمم العلم إلا الشيخ القرضاوى، على فضله، أطال الله عمره وأصلح مسيرته، فحين نتصفح إنتاجه في مجال البحث نجد أن كلها [[19] ] كتب تحمل الطابع الدعوى، ليس فيها نصيب لتحقيق علمي أو إضافة تجديدية! فعلى سبيل المثال، أين في أعمال الشيخ كتاب في المصطلح ككتاب"الباعث الحثيث"للعالم المحدث أحمد شاكر؟! أو"المتنبي"للعالم اللغوي محمود شاكر، بل أين في أعمال الشيخ الدعوية مثل أعمال الشيخ الغزالي رحمة الله عليه؟! أو بحث تاريخي مثل"الإتجاهات الوطنية"للعلامة الدكتور محمد محمد حسين؟! ونحن لا نقلل من قدر القرضاوى وأعماله، ولكن الأمر آل إلى هذا المستوى بعد غياب القمم التي ترهق الأعناق في التطلع إلى فلكها وتغشى الأبصار في النظر إلى أضواء علمها.
ونبرء إلى الله من كل معصية، ونتعتذر إليه عز وجلّ من كل زلل.
د. طارق عبد الحليم