وقد وجد (نديم غينتشيف) ضالته في هذه الفرصة، حيث بدأها بالهجوم على الجمعيات الإسلامية وبعض العاملين فيها، وتناول الجميع بالدس والتحريض والتهم الرخيصة وإثارة مشاعر الحكومة ضدهم، بل طالبها مباشرة بطردهم من البلاد كما هو نهج الحكومة المقدونية على حد تعبيره... كما باشر بتحريض مفتيي المناطق في التصدي لكل ما هو عربي ـ داعية كان أو موظفاً ـ في جمعية؛ لمنعه من الاختلاط بالمسلمين، أو أخذ حريته في العمل أو الحركة.. وبذلك: أخذ (غينتشيف) حريته، وتصرف بما هو مملى عليه في كل ما هو واقع تحت يده، وأكثر ما يخيف المطلعين والعارفين بطبيعة الرجل: وجود مادة في الدستور المُقَر والمرخص من الدولة ودائرة الأديان، تخوله بالتصرف في أوقاف المسلمين الغنية، وهو يردد الآن: أنه قد خطى خطوات في هذا الاتجاه، لكنها لم تتأكد بعد، رغم تواتر الخبر بشكل مؤكد، وهذا إن ثبت فستكون طامة كبرى.. والله المستعان..
مختصر القول: إن الوضع الدعوي والتربوي وعموم العمل الإسلامي تضرر من ذلك المشبوه، أضف إلى ذلك: أن كثيراً من الجمعيات الخيرية التي كانت تعد على الأصابع أصلاً، إما أنها أغلقت مكاتبها، أو قلصت من حجمها المتواضع، أما ما بقي منها فيعيش في الظل، فلا خطة معدة، ولا رؤية مستقبلية واضحة؛ مما ترتب على هذا: توقف الدعم عن الحلقات والأئمة المميزين أو تقلص أعمالهم، فضلاً عن دخول بعض الشباب المتحمس دائرة الإحباط.
إننا ـ موضوعيّاً ـ لا نستطيع القول: إن هذا كله نتيجة عودة (نديم غينتشيف) لدار الإفتاء فقط، بل هناك عوامل خارجية وأخرى داخلية من داخل الجمعيات القائمة أدت لهذه النتيجة... لكن على كل حال: مهما كان السبب، فإن المحصلة النهائية تشير إلى أن (2.5) مليون مسلم ما زالوا لا يلقون ذلك الاهتمام اللازم واللائق من المسلمين الذي يلقاه إخوانهم المسلمون في ألبانيا على سبيل المثال لا الحصر؛ رغم أن المسلمين البلغار يتقدمون خطوات واسعة على إخوانهم الألبان في معرفتهم للإسلام وتقبل قطاع كبير منهم له.
المسلمون البلغار والوضع السياسي:
ومن الناحية السياسية: فالأوضاع الداخلية البلغارية التي يحكمها تصارع كافة الفئات على منصب الرئاسة الآن، وخارجيّاً: اهتمام الدول الأوروبية بمن يفوز، قد دفع من جديد (الورقة المسلمة) إلى دائرة الاهتمام، حيث يؤكد الجميع قاطبة أن المرشح ـ مهما كانت انتماءاته ـ عليه أن يحصل على أصوات المسلمين (المرجِّحة) حتى يصل إلى سدة الحكم، وذلك كما حصل عام 1992م عندما فاز بفضل تلك الأصوات الرئيس الحالي على منافسه الاشتراكي، بل حتى المعارضة الديمقراطية تعرف أن كلا مرشحيها (ستويانوف أو جيلف) في حاجة ماسة لأصوات المسلمين في الانتخابات الأولية.. مما أعطى قيمة للصوت المسلم وقدم ورقة تفاوضية قوية لـ (حركة الحقوق والحريات) التي عاد إليها بريقها ولمعانها السياسي في هذه الأجواء.
محصلة القول: إن المسلمين إن أحسنوا التصرف في توجيه الأصوات لمن يقدم لهم الضمانات الأكثر والأكبر لنيل كافة حقوقهم: فإنهم ـ بلا شك ـ سيفتحون باباً جديداً ـ والله أعلم ـ على مستقبل أفضل وحقوق وحريات أكبر؛ لأنهم سيقصون الشريط في بدء إقصاء الحزب الاشتراكي عن الحكم أو السلطة بمعنى أصح.. ولكن إن تقاذفتهم الأهواء، وشغلتهم المصالح، وتناوشتهم السلبية وعدم المبالاة: فإنهم سيفتحون على أنفسهم باباً من الشر عظيم، حيث لن ينسى لهم الحزب الاشتراكي موقفهم ومحاولتهم القضاء عليه وإقصاءه عن الحلبة...
المسلمون والموقف الصعب:
إذن: المسلمون في موقف صعب وحرج، لا تراجعهم أو سلبيتهم ستحميهم، أو تعفيهم، أو حتى ستعزلهم عن نتائج المعركة.. ولا مشاركتهم ستكون بلا نتائج أو أثمان تدفع، وأغرب ما في الأمر: أن التهديد قد طال الحركة المذكورة حتى من جهة المعارضة، وبالتحديد: من طرف اتحاد القوى الديمقراطية، الذي أعلن أنه لن يغفر للحركة أبداً إذا ما خسر مرشحه (ستويانوف) الانتخابات الأولية؛ لوقوف المسلمين خلف الرئيس الحالي... إذن: المسلمون كمن يسير على الحبال لن يسلم إذا وقف، ولن يسلم إذا وقع.. لكن أخف الضررين ـ إن لم يكن الرأي الأصوب ـ: يكمن في اتخاذ الرأي المناسب والموقف الحكيم الذي يحقق المصلحة الراجحة والواضحة والغالبة والعامة، وبعض الشر أهون من بعض، والله (تعالى) أعلم.