والتعميم القياسي مقبول في قوانين الطبيعة ، بالاستناد إلى الاستقراء الناقص ، لكنه يعطي نظرية قابلة للتغيير ، ولا يعطي حقيقة نهائية . ومقبول في أحكام الشرع الاجتهادية ، لكنه يعطي ظناً راجحاً ، ولا يعطي يقيناً ، إلا في بعض الصور ، وهي التي يكون فيها القياس من باب أولى .
الأصل الثاني
تخصيص أمرٍ عام: والمغالطة هنا تنفي عن بعض أفراد العام ما له من أحكام بغية التضليل .
ومن أمثلة ذلك الدعوات القائمة على مزاعم التفاضل العنصري القومي بين المجموعات البشرية ، مع أن الناس جميعاً سلالة أصل واحد ، وتبرز كل الصفات الإنسانية الرفيعة والمنحطة وما بينهما ، في كل الأعراق ، والأقوام ، والألوان .
واستناداً إلى هذا التخصيص الفاسد ، أطلق بنو إسرائيل مزاعمهم حول امتياز العرق الإسرائيلي ، وتفضيله على سائر أولاد آدم ، ثمّ ادعوا أنهم وحدهم البشر ، وأما سائر الناس فهم من طينة أخرى مشابهة للطينة التي خلقت منها البهائم ، وقد خلقهم الله لخدمة أبنائه وأحبائه الإسرائيليين ، ولكنهم تمردوا على ما خلقوا له .
واستناداً إلى هذا التخصيص الفاسد ، تبنى الجرمانيون الزعم الذي صنف أعراق الناس وأقوامهم ، في سُلّم أفضليات متعدد الدرجات ، وجعل العرق الألماني أفضل الأعراق الإنسانية وأرفعها خصائص فطرية .
وانطلقت النزعات العرقية القومية بين الناس من هذا الأصل الفاسد .
الأصل الثالث
التدليس ، وهو ضم زيادات وإضافات ليست في النص أو الموضوع أو المبحث الأصلي ، مغالطة وتضليلاً .
ومن أمثلة هذا الأصل من أصول المغالطات ، طائفةٌ من صنوف التبديل التي غير بها أهل الكتاب من اليهود والنصارى كتبهم المقدسة .
وقد لا تزيد الإضافة على كلمة صغيرة ، كحرف من حروف الجر ، أو النفي وقد لا تزيد الإضافة على حرف في كلمة ، ولكن هذا الحرف يغير معنى الكلمة ، وقد يقلبه إلى ضده .
إن المغالط الشيطان قد يحاول أن يقلب معنى قول الله تعالى في القرآن الكريم:"إن الدين عند الله الإسلام"بإضافة كلمة:"غير"قبل كلمة"الإسلام".
ويحاول اليهود بين حين وآخر ، طبع نسخ من القرآن الكريم ، فيها بعض هذا التغيير ، لتوزيعها في شعوب مسلمة بعيدة عن عواصم العالم الإسلامي ، ومدنه التي فيها علماء وحفاظ للقرآن الكريم ، كعمق إفريقية مثلاً .
ولكن الله عزّ وجلّ يقيض لكتابه من يسارع إلى اكتشاف الزيادة ، أو التغيير ، فيهب علماء العالم الإسلامي لإتلاف هذه النسخ المزيدة تحريفاً .
ويظل كتاب الله القرآن محفوظاً بحفظ الله له ، تحقيقاً لقوله عزّ وجلّ: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} .
وكثر التدليس فيما روي عن الرسول من أقوال ، ولكن قيض الله لها علماء الحديث المحررين ، فكشفوا المدلس منها ، ونفوا عنها الزيوف .
الأصل الرابع
حذف ما يغير حذفه المعنى المراد ، ومنه الاقتصار على ذكر بعض النص .
وقد يكتفي المغالط المحتال بحذف كلمة أو جملة ، أو حرف من كلمة ، إذا كان ذلك يفسد دلالة النص أو يغيرها ، أو حذف شرط أو قيد في الموضوع .
وقد بلغني أن جماعة من اليهود طبعوا آلافاً من المصاحف وحاولوا توزيعها في إفريقية ، وفيها حذف كلمة: (غير) من قول الله عزّ وجلّ ، {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} .
ولكن اكتشف هذه اللعبة الخبيثة بعض المسلمين ، فهب أهل الغيرة ، وجمعوا نسخ هذه الطبعة ، وأحرقوها .
أما الاقتصار على ذكر بعض النص الذي هو من الحذف في الحقيقة ، لأنه قد يفسد المعنى ويغيره إلى النقيض ، فمن الحيل التي يستخدمها المستشرقون والمبشرون والشيوعيون ، لدى كتابتهم في المسائل الإسلامية ، بغرض إيقاع القارئ في مفاهيم فاسدة عن الإسلام .
فيأخذون مقطعاً من النص ، مع أنه مرتبط بسوابقه ، أو بلواحقه ، أو بهما معاً ، ارتباط الشرط بالجزاء ، أو ارتباط المطلق بقيوده ، ونحو ذلك .
ومن الأمثلة المشهورة التي يستشهد بها الناس لمثل هذا الاقتصار والاقتطاع المفسد للمعنى ، الاستشهاد بقول الله تعالى: {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ} دون ذكر القيد المتصل به في السورة ، وهو قول الله تعالى: {الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ } .
ومن الأمثلة ما فعله بعض المتهجمين على الإسلام ، إذ اقتطعوا من كلام الرسول جملة:"ولا تفكروا في ذات الله فتهلكوا"وأخذوا يتهمونه بأنه يحجر على الأفكار ويقيدها ويحجز حريتها ، مع أن صدر الحديث فيه قوله:"تفكروا في خلق الله"أو:"تفكروا في آلاء الله"ومن الحقائق أن التفكر في ذات الله مهلكة .
العنصر الخامس:
استخدام طريقة الإقناع الجدلي ، للتأثير على الناس بصحة المذهب الباطل ، أو الأفكار التي يُرادُ التضليل لها .