ويكون ذلك بتزيين مقدمات قائمة على المغالطات ، والكذب ، والتستر بشعارات التقدم العلمي ، ومنهجية البحث السليم، ومنجزات العلم والتقنيات"التكنولوجيا"، وملء الصفحات الجدلية بثرثرات قائمة على دغدعة العواطف ، وإثارة الانفعالات ، والتظاهر الكاذب بالرغبة الشديدة في ابتغاء الحق وخير الإنسانية ، وبتخليص البشر من آلامهم ومشكلاتهم الحياتية الفردية والجماعية .
وللمغالطات الجدلية أصول كثيرة ، سيأتي بعون الله بيان أهمها في الفصل الثاني من هذا الباب .
العنصر السادس:
استخدام طريقة التوجيه غير المباشر . ويكون عادة بأساليب متوارية متسترة غير صريحة ، أو فيها بعض التواري والتستر ، ومن التوجيه غير المباشر الأساليب التالية:
1-الإيحاء الخفي المتستر بموضوع غير الموضوع المقصود بالذات ، ومنه دس الأفكار المقصودة في غير مجالاتها الأصلية .
2-الإثارة نحو أمر مرغوبٍ للنفوس ، أو الدفع إلى موقف يرضي الأهواء أو الشهوات أو المطامع ، ثمّ استغلاله للتأثير على الفكرة والسيطرة على منطقه ، واستدراجه إلى الاقتناع الذاتي .
3-التوجيه عن طريق القدوة ، أو مؤثرات البيئة ، أو عن طريق الصحبة والرفقة .
4-البث العرضي الذي يخفي معه قصد التوجيه .
5-حديث المتكلم عن نفسه ، أو حديثه عن شخص غائب ، وتدخل في هذا الأسلوب الحكاية والقصة والمشهد التمثيلي ...
6-تهيئة ما يلزم لدفع من يراد توجيهه ليقرأ بنفسه قراءة حرة في كتاب أو صحيفة أو مخطوطة أو نحو ذلك .
7-استغلال الأغنية والنشيد لترديد الأفكار التي يراد الإقناع بها .
إلى غير ذلك من أساليب تتفتق عنها قرائح المضلين ، فيتفادون فيها المواجهة الصريحة بالتوجيه المباشر ، الذي قد يقابل بالمعارضة والصد ، ويثير في النفوس دواعي الرفض .
العنصر السابع:
الاستدراج ، ويكون باستخدام أسلوب الخطوات المتدرجة ، التي تنحدر بالمستدرَج خطوة فخطوة حتى يسقط أخيراً في حبائل الفكرة .
وقد عرف هذا في لغة السياسة المعاصرة بأسلوب"خطوة خطوة".
وقد أبان الله لنا في القرآن الكريم أنه من أساليب الشيطان ، إذ حذّرنا من اتباع خطواته .
أ- فقال عزّ وجلّ في سورة (الأنعام/6 مصحف/55 نزول) :
{ كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ }
ب- وقال عزّ وجلّ في سورة (البقرة/2 مصحف 87 نزول) :
{ياأَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ}
وقال تعالى فيها أيضاً:
{ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} .
جـ- وقال عزّ وجلّ في سورة (النور/24 ومصحف/102 نزول) :
{ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَآءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}
إن اتباع خطوات الشيطان تستدرج المتبع إلى الإسراف في المباح ، فإلى الوقوع في المكروهات والتهاون في المندوبات ، ثمّ إلى ارتكاب الصغائر من المعاصي والمخالفات ، ثمّ إلى ارتكاب كبائر الإثم والموبقات ، ثمّ إلى الإدما عليها ونسيان الله ، ثمّ إلى الشرك أكبر الكبائر ، فالجحود والفجور الوقح .
وقد وصف الله لنا كيف استدرج الشيطان آدم وزوجه في الجنة ، حتى أوقعهما في معصية الله ، فجعلهما يأكلان من الشجرة التي نهاهما ربهما عنها ، فقال عزّ وجلّ في سورة (الأعراف/7 مصحف/39 نزول) :
{ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ * فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌ مُّبِينٌ * } .
فدلاهما بغرور: أي أنزلهما في بئر العصية إلى قاعها ، شيئاً فشيئاً ، وهما مغروران بوساوسه وأكاذيبه ، متلبّسان بغرور من أمرهما ، يظنان أنهما سيظفران بالخلود الذي أطعمهما به ، أو بأن يكونا ملكين لهما قُدسيّة الملائكة وطهارتهم .
فاستدراجهما كان على مراحل ، وبأسلوب الخطوات المتتابعة ، وهذه هي طريقة الشيطان في الاستهواء والإغواء .
هذا عمل شيطان الجن ، لكن شياطين الإنس أكثر مكراً وأعظم خطراً ، وأشد تضليلاً ، وأشد للنفوس أسراً .
العنصر الثامن: