وليس أدل على ذلك من مؤامرة قتل الخليفة الفاروق وتعامله رضي الله عنه وهو مطعون على فراش الموت معها، وتعاطي المسلمين بعد موته معها.. إذ يكاد المؤرخون يجمعون على أن القاتل أبا لؤلؤة المجوسي ما هو إلا منفذ لهذه المؤامرة، بينما كان يقف خلفه ويشاركه كل من الهرمزان - الذي كان حاكماً فارسياً على الأهواز وأسر ثم أمنه الفاروق فعاش في المدينة وأظهراً الإسلام - وجفينة النصراني، وقد رأى عبد الرحمن بن عوف السكين ذا الرأسين الذي قتل به عمر قبيل يوم واحد مع الهرمزان وجفينة فسألهما عنها فقالا: نقطع بها اللحم فإنا لا نمس اللحم، ورأى عبد الرحمن بن أبي بكر الثلاثة يتحدثون خفية قبل مقتل عمر، ولما فاجأهم قاموا وقوفاً فسقط منهم الخنجر ذاته، ومع هذا كله فما هو رد فعل الفاروق يوم طعن؟ لقد قال كلمته التي لم ينسها له التاريخ: (إن عشت فالأمر لي وإن مت فالقصاص ؛ رجل برجل) .. الله أكبر رجل برجل، الخليفة الفاروق ومع وضوح المؤامرة لا يرضى من القصاص إلا رجل برجل!! ولما ثار ابنه عبيد الله بن عمر بسبب ما سمعه من عبد الرحمن بن أبي بكر فقتل رأس المؤامرة الهرمزان ثم قتل نصيره جفينة، ما كان من الصحابة إلا أن أنكروا عليه وقاموا باعتقاله وحبسه وشاورهم الخليفة عثمان في إقامة القصاص عليه كونه قتل المتآمرين دون محاكمة لهم، ثم دعا القماذبان ابن الهرمزان فأمكنه من عبيد الله بن عمر وقال له: يا بني هذا قاتل أبيك فاذهب فاقتله، يقول القماذبان: فخرجت به وما في الأرض أحد إلا معي، إلا أنهم يطلبون إلي فيه. فقلت: ألي قتله؟ قالو: نعم، وسبّوا عبيد الله. فقلت أفلكم أن تمنعوه؟ قالوا: لا، وسبوه. فتركه لله ولهم، فاحتملوني فوالله ما بلغت منزلي إلا على رؤوس الرجال وأكفهم. ثم دفع عثمان دية من قتل من ماله. كل ذلك رغم ظهور المؤامرة..
هذا هو ديننا العظيم وهذه عينة من عدالته مع الأقليات في ظل دولته وسلطانه، وقد تقدمت أمثلة من ذلك من شيخوخة الدولة أيضاً..
والآن فلنلتفت قليلاً إلى أعداء الإسلام وسلوكياتهم في الحرب والسلم مع الأقليات بل والشعوب المسلمة أو غيرها يوم كانت تسقط بلادهم في أيدي أولئك الأعداء أو يتسلطون عليها..
تقدمت بعض أفاعيل الصليبيين في بيت المقدس إثر سقوطها في أيديهم وما قابلهم صلاح الدين به من العفو والتسامح يوم فتحها، ولو توقفنا عند هذا المثال وخضنا في تفاصيله لكفى.. لكني سأتحول إلى غيره مخافة السآمة من التكرار فلست مضطراً له لأن الأمثلة لا تكاد تحصى.. تأمل مثلاً ما فعله النصارى يوم سقطت صقلية بأيديهم، إذ بادروا أولاً إلى تحويل مساجدها جميعاً إلى كنائس أو إسطبلات للخيول، ودمرت قرى المسلمين كاملة، وإذا كان المسلمون يأخذون من النصارى الذمة جزية لمرة واحدة في السنة مقابل حمايتهم ويردونها عليهم في حال عجزهم عن ذلك، فإن التاريخ يخبرنا هنا أن النصارى أرغموا المسلمين بعد مصادرة ممتلكاتهم وأراضيهم وتدمير قراهم وذبح طائفة منهم واستعباد طائفة أخرى وتسخيرهم للعمل في أراضي النصارى ؛ أرغموا من تبقى منهم على دفع الجزية مرتين في العام.. وتعرض كثير منهم للإبادة والتنصير القصري، حتى إن المؤرخ الأوروبي دانيال يعلق على ذلك بقوله: (إن هذا الذي حدث هو حقيقة الرحمة التي كانت أوروبا تقدمها دائماً للمسلمين فهي رحمة مشروطة بالقضاء على دينهم) أهـ.
وفي أسبانيا عندما فتحها المسلمون سنة 93هـ كان اليهود محكوماً عليهم بالطرد والقمع والاضطهاد من قبل النصارى ومصادرة أموالهم وفرض التعميد التنصيري على أبنائهم إذا وصلوا سن السابعة، فجاء الفتح الإسلامي منقذاً لهم من استبداد النصارى وقمعهم، ولذلك فرحوا بالفتح الإسلامي ورحبوا بالمسلمين وعاشوا على امتداد الحكم الإسلامي في الأندلس (93 - 897هـ) آمنين يتمتعون بعدالة الإسلام وسماحته.. بل إن بعض حكام المسلمين المتساهلين بالغوا في إكرامهم إلى حد الوقوع في المخالفة الشرعية بتوليتهم الوزارة والولايات المختلفة، فصار المسلمون يقفون بأبوابهم ويحجبون ويذلون، وتجرأ بعضهم كالوزير اليهودي (ابن النرغيلة) فصنف كتاباً يطعن فيه بالإسلام، مما حدا بالإمام ابن حزم إلى الرد عليه ودحره في كتابه (الرد على ابن النرغيلة) ، ولا شك أن هذا التساهل كان من أسباب ضعف المسلمين في الأندلس إذ استغل اليهود هذه المناصب للنخر في الدولة واستغلوا ضعف الدولة فأخذوا يتنكرون للمسلمين ويغدرون بهم ويمالئون النصارى عليهم ويدلوهم على عوراتهم، ونسوا كيف كان حال آبائهم تحت نير حكم النصارى وما نقموا على المسلمين إلا تسامحهم معهم وعدالتهم، فأعانوا النصارى وظاهروهم على إسقاط حكم المسلمين.. فبماذا جازاهم النصارى يا ترى؟!