فهرس الكتاب

الصفحة 3914 من 27364

وأهم ما أقصد بيانه في هذه العجالة، أن ثمة جوانب تطبيقية لا بد من إثارتها والنظر فيها عند الحديث عن الأوضاع النظرية. وأن التطبيق يفيد فيما يفيد جرد محتويات المفاهيم النظرية وعرض كشوف الحسابات الخاصة بها. وأن ما لا يحسمه الجدال النظري قد يحسمه النظر في مجالات التطبيق، وهو إن لم يحسم الخلاف حسمًا كاملاً، فهو بالأقل يحدد نطاق الاختلاف، ويعين بنوده، وهذا ما يفيد فائدة كبيرة عند حساب"اقتصاديات الاختلاف": أي الأهمية النسبية لكل وجه من وجوه الاختلاف، وترتيب أولويات الجدال والصراعات الفكرية من بعد.

أما النقطة الثانية فتتعلق بالموقف من تعليم المرأة وعملها من ناحية ارتباطها بموضوع اختلاط النساء بالرجال.

إن انسحاب المرأة من المجتمع وفرض العزلة عليها في المراحل المتأخرة من تاريخ الأمة الإسلامية، كان قد جرى من الناحية الفقهية استنادًا إلى باب سد الذرائع. وكانت مقولة الفقه في هذا الصدد تتأسس على أن العمل أو التعليم يفضي إلى الاختلاط، والاختلاط يفضي إلى المعصية، وما يفضي إلى المحرم فهو محرم، وما تنتج عنه المعصية فهو من المعاصي.

وسد الذرائع من مصادر التشريع الإسلامي، وهو باب لا نستغني عنه في ترتيب الأحكام، وهو باب يولد طاقة نمو للتشريع الإسلامي شأنه شأن القياس والاستصحاب وغيرهما. ونحن بلا شك ندين له فيما ندين بما اتسم به البناء الفقهي الإسلامي من رحابة وسعة وشمول، وبما استطاعه من ملاحقة الواقع المتغير ومن امتداد لمظلة الحكم الشرعي لمتغيرات الحياة المتجددة وثوابتها، ولهذا التنوع الهائل الذي شمل الأمصار الإسلامية على هذا المدى الجغرافي العريض، وعلى هذا المدى الزماني الطويل. وسد الذرائع يكمله - كما نعرف - فتح الذرائع بتقرير إن ما يفضي إلى الواجب فهو واجب. نحن نعرف فضل هذا الباب بمصراعيه (السد والفتح) ونفعه، ونعرف لزوم التمسك به.

ولكننا في إعمال هذا المصدر التشريعي، يتعين علينا أن ندقق في آليات إعماله. فالقول بأن ما يفضي إلى المعصية هو معصية، يوجب علينا تقرير أن ثمة فعلاً منصوصًا بأنه معصية. وثمة فعلاً غير منصوص على كونه معصية، ولكن الفعل الثاني يفضي إلى الفعل الأول من قبيل اللزوم أو حسب الغالب من الأحوال، ومن هنا فثمة علاقة بين الفعلين تقيم سببية لا تنفك بينهما أو سببية تجري مجرى الأحوال الغالبة. وبقيام هذه العلاقة بصورتها هذه يأخذ العمل الثاني حكم العمل الأول، وينسبغ حكم معصية الفعل الأول على الفعل الثاني. فثمة معصية منصوصة ومعصية مضافة وعلاقة رابطة بينهما.

وعلينا لإعمال مبدأ سد الذرائع، أن نقف كثيرًا عند تلك الرابطة بين الفعلين، ونتأمل في مدى صدقها ومدى قوتها. وأن نمعن النظر في مدى صواب قيام هذه الرابطة. فهل الفعل المضاف يفضي حتمًا أو غالبًا إلى الفعل المنصوص؟ ونحن هنا لسنا في إطار تفسير النصوص فقط، إننا أمام نظر في الواقع، وتقدير لتداعيات الأحداث ولروابط العلة والمعلول بين فعل هو مقدمة وسبب وفعل آخر هو أثر ونتيجة. نحن هنا نكون في مجال فهم الواقع ورؤية الأحداث، والخلاف بين بعضنا البعض هنا لا يكون في استنباط دلالات النصوص، وإنما هو يرجع أكثر ما يرجع إلى إدراكنا لتداعيات الأحداث، ومدى الصلة اللازمة أو الغالبة بين فعل سبب وفعل نتيجة، بحيث يأخذ الفعل السبب حكم الفعل النتيجة، وينسحب وصف المعصية من الفعل النتيجة (أي المعصية المنصوصة) إلى الفعل السبب (أي المعصية المضافة أو الملحقة) ، وذلك في مجال سد الذرائع، أو ينسحب وصف الواجب من الفعل النتيجة إلى الفعل السبب، أي من الواجب المنصوص إلى الواجب المضاف، وذلك في مجال فتح الذرائع.

وعندما نقول بأن النظر في هذا"الإفضاء"أو هذه العلاقة السببية بين الفعلين المنصوص والمضاف، هو نظر في الواقع وروابط أحداثه وتداعيات نوازله، عندما نقول بذلك نكون قد دخلنا في صلب التحليل لأوضاع الزمان والمكان، ولأدركنا أن الروابط بين الأفعال هي روابط متغيرة بتغير أوضاع الزمان والمكان. وعلاقة الإفضاء هذه بين فعل سبب وفعل نتيجة لا تختلف فقط في تقديرها بالأنظار، ولكنها علاقة متغيرة؛ ومن ثم فإن سد الذرائع أو فتحها، إن قام بين فعلين في مجتمع ما فقد لا يقوم بين هذين الفعلين ذاتهما في مجتمع آخر، أو في زمان آخر، بحكم ما تتغير به أوضاع المجتمعات وعلائق للناس، وما تتغير به وسائط العيش وأساليب الحياة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت