فهرس الكتاب

الصفحة 332 من 27364

ولقد لاحظ الأخ أحمد الكوس في كلمته التي نشرها في جريدة «الوطن» الخميس 5/19 أن الحكومة سخّرت كل آلتها الإعلامية «تلفاز وإذاعة وصحف» لجانب مشروعها وأرهبت لجنة الإفتاء وجَنّدت جميع مدارس وزارة التربية وحتى مراكز تنمية المجتمع في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في جميع مناطق الكويت لصالح مشروع الحكومة وكمّمت أفواه الأئمة والخطباء من على المنابر ومنعتهم من الإدلاء بآرائهم المعارضة لمشروع الحكومة وبعد كل ذلك تدّعي الحكومة أن خطوتها كانت ديموقراطية؟ وهي ملاحظة قيمّة وفي محلّها.

ما يُخيف في هذا الأمر هو سياقه الاستراتيجي الخارجي ومن الواضح أن الإدارة الأمريكية تابعت هذا الموضوع ورعته منذ البداية بغرض تثميره في أجندتها الخاصة بالجزيرة العربية، وكان تصريح باوتشر الناطق باسم الخارجية الأمريكية بعد وقت قليل جدا من تصويت مجلس الأمة لافتا للنظر من جهة كشف الخلفية الأمريكية للموضوع، وليس غريبًا على الإدارة الأمريكية هذا الموقف ليس لأنها نصيرة الديموقراطية ـ كما تدعي ـ ولكن خطوة كهذه من الممكن أن تصبّ في تفكيك البُنى السياسية والاجتماعية التقليدية وفي ترويض الشخصية القومية لعرب الجزيرة الذين يقوم مجتمعهم على موروث راسخ من الفصل بين محيط السياسة والولاية العامة من جهة والمرأة من جهة أخرى خاصة وان هذا الموروث هو من الثوابت الإسلامية التي التزم بها مجتمع الجزيرة العربية على مرّ العصور منذ بزوغ الإسلام حتى عصرنا الحاضر.

وصار من الواضح - للقاصي والداني - أن تحريك هذا الموضوع وافتعاله وما رافقه من تحريض اجتماعي بارز قد ساهمت في رعايته الإدارة الأمريكية فلقد جاءت إلى المنطقة عدة وفود من الكونجرس ومن جمعيات أمريكية كما كانت السفارة الأمريكية ترسل مندوبيها في كل المناسبات للاتصال بالعناصر النسائية الحركية وكانت الوفود الأمريكية ترسل مندوبيها في كل المناسبات للاتصال بالعناصر النسائية الحركية وكانت الوفود الأمريكية تحضر جلسات مجلس الأمة وتتصل بالنواب في منازلهم، كل ذلك يكشف الخلفية الأمريكية للموضوع ويستوجب منا أن نتساءل: لماذا كل هذا الاهتمام الرسمي الأمريكي بموضوع المرأة في الكويت؟ (تابع إن شئت تصريحات الرئيس بوش في هذا المجال) .

يجب على الحركة الإسلامية في الجزيرة العربية بكل أطيافها وألوانها وراياتها ومسمياتها ألا تفوت هذه الفرصة لاستخلاص الدروس والعبر وتنقية الصفوف والمفاهيم وتحرير المواقف من الوهن وتبصير القيادات الإسلامية والقواعد للتحديات السياسية القادمة ما يوجب البلورة الفكرية وتأصيل المفاهيم والمباشرة فورا بعمليات الإرشاد السياسي والتربية الاجتماعية وتجاوز العتبات الحزبية قبل أن تجد الحركة الإسلامية نفسها - وباسم الديموقراطية وصوت الأغلبية - وقد تم استيعابها وهضمها وتجنيدها لتنفيذ الأجندة الأمريكية في الجزيرة العربية. أقصى ما تتمناه الإدارة الأمريكية هو حركة إسلامية تلتزم بالضوابط الديموقراطية ولا تلتزم بالضوابط الشرعية الإسلامية، وأحلى ما تسمعه من كلام هو ذلك الكلام الانفعالي الهائم الطليق الذي تفوه به النائب الإسلامي عندما قال بعد إعلان نتيجة التصويت: (هذا يوم عظيم من أيام الديموقراطية الكويتية) ، أي ديموقراطية يا أخي سامحك الله وعفا عنا وعنك!! وهل سيسألنا الله - تعالى -في نهاية المطاف عن التزامنا بالديموقراطية والتعددية وتصويت الأغلبية أم يسألنا عن مدى التزامنا بالثوابت الشرعية التي اخترقها وتجاوزها القانون الأخير موضوع التصويت؟ لقد كشفت التجربة الأخيرة في مجلس الأمة أمرين بارزين: أولهما: أن الحكومة مستعدة لأن تلجأ لكل المخالفات والتجاوزات السياسية والقانونية لتمرير مشاريعها أيا كانت المطابخ السياسية التي طبخت فيها، وثانيهما: أن النواب الإسلاميين يعانون من خلل كالمنخل على مستوى حركتهم وفكرهم ونضجهم السياسي وهو خلل خطير وعضوي وبنيوي قد يجدون أنفسهم في نهاية المطاف أفضل أدوات لتنفيذ الأجندة الأمريكية في الجزيرة العربية على اعتبار أن التجربة الكويتية - لا سمح الله - سوف يتم تعميمها على أقطار الجزيرة العربية، إن الأمر جلل والفتنة عظيمة وهي فتنة تنتظر الحركة الإسلامية قبل أن تصبح وسيلة من وسائل تنفيذ الأجندة الأمريكية في الجزيرة العربية. هل أصبحت الديموقراطية فخا كبيرا منصوبا للحركة الإسلامية؟ (د / عبد الله النفيسي) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت