فهرس الكتاب

الصفحة 13252 من 27364

واحتفل الليبراليون باتفاق أوسلو، جاعلين من ياسر عرفات بطلا تاريخيا للعرب والفلسطينيين، ليس بسبب سجله النضالي الطويل بل بسبب استعداده للتخلي عن فلسطين التاريخية، وبسبب الدور الذي لعبه اتفاق أوسلو في فتح الباب العربي على مصراعيه للتطبيع والانتشار الإسرائيلي في المنطقة، وما سمي حينها بالمشروع الشرق الأوسطي. وتحت شعار التحول الديمقراطي أراد الليبراليون العرب حسم معركة الوحدة وفلسطين، والالتحاق بالركب الأمريكي والعلمنة الشاملة بدون إطلاق طلقة واحدة. وكان ميزان القوى في التسعينيات يغري بذلك.

بيد أن نهاية عقد التسعينيات جاءت لليبراليين العرب بخيبة أمل بالغة. فالولايات المتحدة كانت أكثر حرصا في مرحلة ما بعد الحرب الباردة على الحفاظ على علاقاتها بالأنظمة الحليفة (الفاسدة) في المنطقة منها على التحول الديمقراطي، وعلى مستوى الصراع العربي الإسرائيلي نجح حزب الله في دحر الاحتلال الإسرائيلي وهزيمته في جنوب لبنان، مثيرا في العرب إحساسهم العميق بالوحدة والمصير المشترك. ثم جاءت انتفاضة الأقصى لتؤكد عبثية طريق أوسلو وحقيقته من ناحية، وتعيد التذكير بجوهر المشروع الإسرائيلي وارتكازه إلى العنف والسيطرة من ناحية أخرى، وما إن أطل القرن الجديد حتى راحت الولايات المتحدة تخوض حربا عالمية هوجاء، بل ضد حلفائها الأوروبيين التقليديين أحيانا؛ لتعزيز تحكمها في القرار العالمي وسيطرتها على مقدرات العالم.

وقد بدا للحظة أن الخطاب الليبرالي العربي قد أصيب بنكسة كبرى؛ فالفرضيات التي انطلق منها في عقد التسعينيات اصطدمت اصطداما محبطا بحقائق الواقع العربي والعالمي الجديد؛ فلا العرب اشتروا شعار الديمقراطية على حساب قضاياهم الرئيسة، ولا العالم انتقل إلى حقبة من الترابط والسلام وسيادة القيم الإنسانية المشتركة. على العكس أصبح العرب أكثر استماتة في الدفاع عن ثوابتهم، بينما ضج العالم بأزيز الطائرات القاصفة والصواريخ والأساطيل المسلحة.

تحت العلم الأمريكي

يحلم الليبراليون بقدوم التمثال مع الدبابات الأمريكية

باحتلال العراق وانتقال الحرب الأمريكية على الإرهاب إلى حرب فكرية وسياسية وثقافية ضد العرب والمسلمين.. وجد الليبراليون العرب فرصة جديدة للخروج من نكسة نهاية التسعينيات وإحباطاتها. ولكن الليبراليين العرب يدركون أن هذه الفرصة فرصة يائسة، فرصة لا تنبع من نجاحات خطابهم، وإنجازات جهدهم الخاص، وانحياز الجماهير العربية إلى معسكرهم، بل من حالة الهجوم الأمريكي، وبطش أدواته وإمكاناته الهائلة، وإن كان انحياز الخطاب الليبرالي العربي في التسعينيات للمشروع الأمريكي انحيازا مستبطنا أو موضوعيا؛ فقد أصبح هذا الانحياز الآن سافرا وعضويا.

يدرك الليبراليون العرب بالطبع أن هذه الشراكة مع المشروع الأمريكي ليست شراكة متكافئة، بل ليست شراكة بأي صورة من الصور، بل هي مجرد التحاق بالقاطرة الأمريكية؛ وهو ما يستدعي دفع تكاليف هذا الالتحاق، سواء من جهة تبرير المشروع الأمريكي وتسويغ وسائله، أو من حيث تبني أهدافه ومنطلقاته. وقد أدى ذلك إلى انقلاب جوهري في الخطاب الليبرالي العربي. فبعد أن كانت الدولة هي الهدف الرئيسي (والمعلن على الأقل) للخطاب الليبرالي العربي، أصبح الهدف هو المجتمع العربي وإنسانه وقواه. ولأن الاستهداف الأمريكي للمجتمع العربي والإنسان العربي يقوم على فرضيات خاطئة، ويستبطن أهدافا معروفة ومحددة مسبقا؛ فقد اضطر الخطاب الليبرالي العربي (الخطاب المحلي الشريك للخارج) للجوء إلى الدوغما الأيديولوجية لقراءة الأزمة العربية وتشخيص عناصرها.

يقدم الخطاب الليبرالي العربي في صيغته الجديدة صورة مأساوية للعرب ومجتمعاتهم. المشكلة هنا ليست تعرية التخلف التقني أو الانقسام الداخلي؛ فكل خطاب نقدي في العالم هو خطاب متْرَع بالتأزم، وليس ثمة من مجتمع يمكنه الحفاظ على دينامياته وتقدمه بدون خطاب نقدي دائم. المشكلة كما يقرؤها الليبراليون العرب هي حالة تأزم عربي مغلق ومطلق، حالة انهيار كامل وشامل، حالة تحلل غير مسبوق في تاريخ العرب والعالم، حالة خروج فعلي ونهائي من التاريخ. وطبقا لهذا الخطاب فإن الإنسان العربي إنسان متخلف، تسكنه الخرافة، نتاج تعليم بشع ومشوه، غير قادر على أن يقف موقفا نقديا من ذاته ومجتمعه وقيمه، يفتقد إلى أدنى القيم المدنية، ولا يعرف حقوق وواجبات المواطنة.

المجتمع العربي مجتمع مؤسس على الاستبداد والنظام الأبوي. وهو مرة مجتمع قبلي عشائري طائفي، ومرة أخرى مجتمع مصمت مغلق، تختفي فيه توجهات الإبداع الفردي الإنساني لصالح الكل المسيطر والمهيمن.

العرب لا يقرؤون، لا يترجمون، وحظهم من الصحف أدنى من حظوظ المتوسط العالمي، أما إعلامهم فكاذب ومضلل وسطحي، بينما يهبط إنتاجهم القومي عن أدنى مستويات إنتاج الدول من الدرجة الثانية، وهم غير قادرين على التعامل مع التقنية الحديثة، لا يتمتعون بخيرات الإنترنت، وقد أصبحوا فوق ذلك المصدر الرئيسي للعنف والإرهاب والموت العبثي في العالم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت