آن الأوان -طبقا لهذا الخطاب- لأن يتوقف العرب عن التعلل بالصراع مع الدولة العبرية، أو التذرع بمقاومة الخطر الإمبريالي المزعوم. فالعيب ذاتي وداخلي قبل أي شيء آخر. النتيجة المنطقية لهذا الخطاب بالطبع ضرورة تدخُّل قوة خارجية ما لإصلاح أمرنا؛ لإعادة النظر في نظم حياتنا وقيمنا وأنماط اجتماعنا، قوة تنهضنا من هذا السبات الطويل والعميق.
ثمة -لا شك- أمثلة عديدة على افتقاد الخطاب العربي للصواب، أمثلة على كسله الذهني، بينما تدلل أخرى على أن دوافع إنشائه هي التي تشكل إطاره المرجعي لا حقائق الواقع. كيف يمكن -مثلا- تفسير الإبداع العربي المميز خلال نصف القرن الماضي في مجالات الأدب، والرواية، والشعر، والموسيقى، والفنون التشكيلية. من أين جاءت هذه القدرة العربية غير العادية على الإبداع والتجديد في كل هذه المجالات؟ وكيف يمكن تفسير انتشارها من القاهرة إلى دمشق ومن بغداد إلى تونس ومن حلب إلى الدار البيضاء؟ كيف أمكن لدولة مستبدة كدولة صدام حسين ولشعب (صغير) نسبياً كالشعب العراقي أن يحقق الإنجازات العلمية والصناعية التي حققها خلال فترة صغيرة من الزمن؟ بل كيف أمكن لدولة مثل ليبيا أن تؤسس صناعة نووية، وقد أنجز أغلب ذلك سرا ومن خلال أسواق جانبية أو هامشية، وفي ظل صعوبات هائلة؟
لماذا؟
كيف يسكت الباحثون والمنظِّرون العرب لسنوات طوال على حساب الناتج القومي للدول العربية بمقياس معدلات الصرف النقدي (المقياس الذي يصفه البنك الدولي بأنه غير صحيح، ولا يقدم صورة حقيقية عن إنتاج وثروات الأمم) ، وكيف يتجاهلون المقياس الأكثر دقة المعروف بمقياس"القوة الشرائية المتعادلة"؟ وهل يمكن في ظل حالة التجزئة العربية وانعدام وجود سوق عربية واسعة أن تقوم صناعة عربية ذات جدوى؟ ولماذا تدفع كل دولة عربية إلى أن تعقد -على حدة- اتفاقيات تحرير السوق وإلغاء التعريفة الجمركية مع الاتحاد الأوربي أو الولايات المتحدة، بينما لا يسمح للدول العربية أن تعقد مثل هذه الاتفاقيات فيما بينها كمجموعة إقليمية تربطها اللغة والثقافة والتقاليد والجوار؟
لماذا ضربت كل محاولة للنهضة والتصنيع العربي بلا هوادة ولا رحمة من مصر محمد علي وجمال عبد الناصر إلى عراق صدام حسين، وما إن هزمت تلك المحاولات في ساحات الحرب حتى دمرت قاعدتها الصناعية، وسرح علماؤها، أو تعرضوا للاغتيال (كما يحدث في العراق اليوم) ، وأجبرت على التحول إلى مستهلك للإنتاج الأجنبي؟
لماذا عاشت وتعيش الجماعات والطوائف في هذه المنطقة بسلام، تعرف حقوقها وواجباتها والتزاماتها تجاه بعضها البعض وتجاه البلاد التي تقطنها، ثم تنهار لُحمتها، ويقوض سلمها الداخلي لدى التدخل الأجنبي؟ ألم يوجد العراق -مثلا- بهويته كعراق منذ أربعة عشر قرنا؟ ألم يقم في ظل الولاة المماليك العثمانيين طوال القرن الثامن عشر والثلث الأول من القرن التاسع عشر ضمن حدوده الحالية؟ فلماذا يتحول فجأة إلى شمال ووسط وجنوب، وإلى شيعة وسنة وأكراد؟ وهل صحيح أن بريطانيا -موطن الصحافة في العالم- تنتج من الصحف القومية الجادة أكثر مما تنتجه مصر، أم أن من الضروري أن تعج شوارع القاهرة بصحف الجنس ومستنقعات التابلويد حتى تتساوى بالدول المتقدمة؟ كيف يقال عن أمة تخدمها أكثر من خمسين قناة تلفازية تتحدث لغتها الأم، وعشرات محطات الإذاعة، بما في ذلك كبار الإذاعات الغربية الموجهة بأنها تفتقد معرفة العالم ومجرياته، في الوقت الذي تعرف فيه عجائز قبائلها الصحراوية حقائق السياسة الدولية أفضل مما يعرف فيه الأمريكي المتوسط حقائق سياسات بلاده؟
هناك مشاكل عديدة لا بد أن يواجهها العرب في حياتهم ومجتمعهم والقيم المحركة لكليهما. ولكن هذه المشاكل لا يمكن أن تواجَه بدون قراءة صحيحة لمكونات المجتمعات العربية ودينامياتها المعرفية الخاصة وتجربتها التاريخية. ولا يمكن أن تواجَه قبل مواجهة المشكلة الكبرى التي تنبع من السيطرة الخارجية، السيطرة بالقوة والعنف على مقدراتهم وسيادة بلادهم وطموحاتهم. وإلا فكيف نفسر هذا الاهتمام العالمي المتواصل منذ نهاية القرن الثامن عشر بهذه المنطقة؟ وكيف تسعى الولايات المتحدة في مشروع غير مسبوق في التاريخ الحديث لإشراك جميع دول العالم العظمى في إعادة صياغة هذه المنطقة وإنسانها.
أما الذي لا يريد أن يرى أزمة هذه المنطقة وشعوبها إزاء الخارج، وإزاء"الشريك"الأمريكي على وجه الخصوص؛ فعليه أن يتذكر أن هناك حربا دموية تدور على أرض العراق منذ مارس/آذار من العام الماضي، طرفها الرئيسي هو الاحتلال الأمريكي العسكري. لا تستطيع واشنطن أن تزرع الموت والدمار في العراق، وتساعد على زرع الموت والدمار في فلسطين، ثم تتحدث بلسانها أو لسان شركائها الليبراليين العرب عن مناهج التعليم في السعودية أو لا سامية الصحافة المصرية. إن كان لليبراليين العرب أن يؤكدوا التزامهم بقضايا شعوبهم؛ فعليهم أن يقفوا في وجه هذه العواصف الهوجاء التي تريد أن تجعل من البلاد العربية ساحة للدمار والموت مرة، وساحة لتجارب موظفي الإدارة الأمريكية مرة أخرى.