فهرس الكتاب

الصفحة 6457 من 27364

إن الفرق بين تجربة الرعيل الأول والتجربة اللاحقة لها يظهر بالأساس في أن الأولى كانت واعية بنفسها، ولها منطلقات محددة وغايات مرسومة، بصرف النظر عما إذا كانت فشلت أو توفقت في التواصل مع المستويات العمرية والمقدرات المختلفة للأطفال العرب، بينما التجربة الثانية انطلقت من غير بلورة الأسس العلمية، التربوية والثقافية، لأدب الطفل، فسقطت في النقل الحرفي لما يكتب في الغرب للطفل غير المسلم ، وهو ما وضع أدب الطفل في العالم العربي في محنة حقيقية .

إن التاريخ العربي والإسلامي زاخر بتراث قصصي وشعري هائل من شأنه أن يغني أدب الأطفال ويؤسس لمنظومة تربوية متماسكة، فإلى جانب التراث المكتوب، الغني بما يحويه، هناك تراث شفاهي تناقلته الأجيال عن بعضها البعض، جزء كبير منه له جذور عميقة في الوعي الديني للأمة، عبرت به الأجيال الثقافية بشكل تلقائي عن هموم حياتها اليومية ومشاعرها وقضاياها ، غير أن هذا التراث الكبير لم يتحول إلى مادة يمكن استثمارها وتوظيفها في أدب الطفل المسلم، إلا في حالات قليلة لبعض الكتاب والشعراء الإسلاميين المعاصرين، وهي حالات لم تشكل القاعدة بل الاستثناء، وسط ركام كبير من الكتابات المتغربة ذات الأهداف الإيديولوجية المائلة، أو المتسرعة ذات الغايات التجارية، وبين هذين القطبين، ظلت مساحة الاجتهاد المؤصل محدودة ومزاحمة ، وتعطل مشروع وضع أدب مستقل للطفل المسلم في العالم العربي له خصوصياته وأسئلته وقضاياه، بسبب القطيعة بين التجارب المختلفة، وعدم اكتمال النمو .

أدب الطفل والدور المفقود

إن المتأمل فيما توفره مكتبة أدب الطفل في العالم العربي يلحظ بونا شاسعا بين المشهود والمنشود، لقد سجلت الإنتاجيات في مجال أدب الأطفال العرب تقدما ملحوظا خلال العشرين سنة الأخيرة من حيث الكم، وهذا عائد إلى الأهمية التي أصبح يحظى بها الطفل عموما في العالم العربي، وانتشار التمدرس وانحسار الأمية لدى الجيلين الأخيرين مقارنة مع الأجيال السابقة، وغيرها من الأسباب التي هي موضوع آخر، ولكن هذا التقدم في المستوى الكمي لم يرافقه تقدم في المستوى النوعي لأدب الطفل .

فأدب الطفل في العالم العربي ظل حتى اليوم عالة على ما تقدمه المائدة الغربية، ترجمة أو استلهاما. و الاعتقاد السائد هو أن التقدم الذي حققه أدب الطفل في الغرب يبرر النقل عنه أو استلهام تقنياته، بدون النظر إلى حاجات الطفل المسلم والمحيط الثقافي والرمزي الذي يتحرك فيه ، ومن ثم تصبح عملية النقل خطرا على الطفل المسلم من حيث إنها تكرس لديه الشعور بالتبعية من ناحية، وتركز لديه عادة التفكير من داخل ثقافة الطفل الغربي ونمط عيشه من ناحية ثانية، وتغرس فيه الشعور بالعجز، والاعتقاد السلبي بعدم إمكان الإبداع إلا من داخل ثقافة الغرب من ناحية ثالثة ، ولا ينبغي أن يغيب عنا أن الأدب بالنسبة للطفل يختلف عنه بالنسبة للكبار، فهو في حالة الطفل تنشئة من داخل الخطاب الأدبي، بكل ما تحمله كلمة التنشئة من المعنى .

إن مشكلة النموذج هي المشكلة الرئيسية في أدب الطفل في العالم العربي اليوم:

ما النموذج الحضاري في هذا الأدب، والذي يراد غرسه في نفسية الطفل؟

من الأبطال الحقيقيون الذين يؤمن بهم الطفل ويسعى إلى خلق شخصيته من خلالهم؟

ما المساحة التي يشغلها التاريخ في أدب الطفل المسلم؟

ما القيم"الدينية الثابتة، لا تلك القيم الاجتماعية المتحولة، المهيمنة في نصوص هذا الأدب ؟ ."

مثل هذه الأسئلة من شأنها أن تلقي الضوء على حقيقة وضعية أدب الطفل في العالم العربي، فبقدر القرب أو البعد منها يمكننا تشخيص هذه الوضعية ، ويكفي القول هنا إن قيم البطولة العربية المسلمة تغيب في جل منجزات أدب الطفل العربي، لحساب قيم البطولة المستوردة من الغرب، ولم يستطع هذا الأدب أن يخلق أبطال الطفل المسلم الحقيقيين، وظل مرتبطا بالشخصيات البطولية التي ابتدعها رواد أدب الطفل في الغرب ( تان تان ، توم أند جيري، ميكي ماوس ...) ، وهي شخصيات تبقى منقطعة الصلة بمحيط الطفل المسلم وتاريخه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت