فهرس الكتاب

الصفحة 6458 من 27364

إن التطور الذي شهده أدب الطفل في الغرب لم يكن منقطعا عن الفلسفة التربوية الغربية العلمانية والمادية التي أنجبته، فأدب الطفل في الغرب الرأسمالي يسير في منحنى علماني، الهدف منه تنشئة الطفل على قيم الاستقلالية التابثة في تفكيره وحركته عن الأسرة والكنيسة، والثورة على القيم المحافظة، واعتبار الغاية الأساس هي تفجير طاقاته بصرف النظر عن أي حدود دينية أو قيود أخلاقية، إذا صح تعبير القيود في الأخلاق، ومن هنا سيادة قيمة الاستهلاك والحرية الفردية المطلقة والتحرر الاجتماعي ( العلاقة بين الذكر والأنثى مثلا ) وإذا نحن تأملنا في الأدب الصهيوني المخصص للأطفال، نجده لا ينفصل عن الجذور الدينية والفكرية التي أسست للمشروع الصهيوني، ونجد فيه المرآة العاكسة للرؤية التربوية الصهيونية، من حيث تنشئة الطفل على الالتصاق بأرض الميعاد التي يعتبرونها أرض الأجداد، والالتحام بالجماعة اليهودية كوسيلة للخلاص، وكراهية الأغيار والعنصرية اتجاه غير اليهودي، إلى الحد الذي يختلط فيه الأدب بالتربية، فتصبح التربية أدبا، والأدب تربية .

من هنا يتضح لنا أن مشكلة أدب الطفل المسلم هي مشكلة الخصوصية التي يفتقدها في علاقته بالنماذج الأدبية الغربية السائدة، فالكثير مما يكتب للأطفال المسلمين تغلب عليه القيم المستوردة والشخصيات التاريخية والرمزية الأجنبية، دون تدقيق فيما يتم تلقينه للطفل المسلم مما قد يكون له أثر سلبي على وعيه بمحيطه وتاريخه وحضارته، فقد ساد الاعتقاد لدينا بأن الكتابة للطفل الهدف منها الترويح والتسلية ومساعدة الطفل على تربية الخيال الإبداعي، بينما وضعت مهمة التربية والتنشئة النفسية والاجتماعية السليمة وخزن القيم الباطنية جانبا، بدعوى أن مرحلة الطفولة تتمحور حول قضية واحدة فقط هي اللعب والترويح .

إن التحدي الكبير المطروح على المجتمعات العربية والإسلامية في عصر العولمة والانترنيت هو تحد متعدد المستويات، لكن أدب الطفل يبقى أهم هذه المستويات، لكي يمكننا التصدي للثقافة المسطحة وحضارة التسلية القاتلة والاستهلاك المميت التي تقترحها العولمة الرأسمالية الغربية على العالم. ولا يمكن النهوض بهذا التحدي دون خلق نموذج إسلامي حي لأدب الأطفال يخوض معركة المستقبل في الحاضر المشهود، يجتمع عليه خبراء التربية والعلم الشرعي وعلوم النفس والاجتماع واللغة والفنون المختلفة ورجال الإعلام والكتاب والمبدعون والشعراء، فالغرب لم يتفوق علينا باستجماعه لكل الجهود في هذا الحقل ، وخلق أدب للصغار أصبح يبهر أطفالنا ويغزو قنواتنا ومكتباتنا وبيوتنا، حتى أصبحنا نعيش وضعية الاختراق الثقافي بالمعنى الواسع للكلمة، وهذا أكبر خطر على أطفالنا، لأن المغلوب مولع بتقليد الغالب في كل شيء، كما قال العلامة عبد الرحمان بن خلدون، والأطفال هم الحلقة الأضعف في المجتمع و أكثر المعرضين للتقليد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت