وقد وصف نفسه بهذا الشعر:
"إنني أحلّق عالياً, بحيث أنه على ذرى الفلك الأعلى, تحوم حومي مخلوقات الضياء آلاف المرات" (18 ) .
وقد شرح المترجم هذه الأبيات:
"ذلك التحليق الرفيع بحيث وصل إلى ذروة مرتفعات الجوهر الروحي, فيما وراء السماوات, وكان على الملائكة أنفسهم, وهي مخلوقات الضياء, أن تطوف به الآف المرات لتتجسس عليه, وتتعرف على طريقته ومقصده.. وإن صعود الإنسان إلى مثل تلك المقامات, التي تخشى الملائكة ذاتها أن تطأها" (19) .
إن هذا التصور عند إقبال مستمد, من خلال مبادئ تطور الإنسان وتفوقه, ومفهوم الإنسان الكامل, ومفهوم وحدة الذات, وفكرة العشق ومبادئ الحب, وتنتشر مثل هذه الشطحات عند غلاة الصوفية, حيث يقوم المريدون بتعظيم الأقطاب وتقديسهم.
ومن شطحات إقبال المشهورة, معراجه إلى السماء, حيث تمثل منظومة"جاويد نامة"الشعرية مبادئ إقبال, في التصوف والفلسفة والتاريخ, وقد ذكر فيها معراجه إلى السماوات, وكان دليله ومرشده في ذلك, الصوفي المشهور جلال الدين الرومي, صاحب مذهب وحدة الوجود, حيث يقوده في هذه المرحلة إلى"النهر الحي", ويعرج به في عدة سموات, ثم يشرف بالقرب الإلهي, ويصبح على صلة بالأنوار الإلهية, وقد أقام معراجه هذا على غرار معراج أبي يزيد البسطامي, ومعراج ابن عربي بالفتوحات المكية, بالإضافة إلى رسالة الغفران التي كتبها أبو العلاء المعري.
وتقوم فكرة المعراج إلى السماء عند الصوفية, على تصورات منحرفة, عن طبيعة العلاقة بين الخالق والمخلوق, أو عن خلل في فهم العقيدة الصحيحة, في التفريق بين الألوهية والعبودية, ومن خلال انحراف في الاعتقاد, حيث يتوهم هؤلاء, أن باستطاعة الإنسان, أن يتصل بالله عن طريق فكرة"العشق"القائمة عند الفلاسفة القدماء, حيث يجري اللقاء بين الإنسان"العاشق"والإله"المعشوق"في السماوات العلى!!
ولا تخلو مثل هذه الرحلات الوهمية إلى السماء العليا, من خرافات وترهات, وخروج عن المألوف, في الأدب مع الله تعالى شأنه, وقد سمعنا من حوار إقبال وأساتذته مع الله تعالى, مما يستحي الإنسان, أن يتوجه به لإنسان أعلى منه مرتبة !!
وقد تأثر إقبال بالمبادئ الصوفية, وعمل من خلال شطحاتهم, ومصدر إلهامهم. وكان يصرح دائماً, بل يقسم أنه مأمور بتبليغ الناس هذه الأفكار, وأن الأمر خارج عن إرادته !!
وقد ينفعل إقبال مع الموقف, خلال استعراض مؤهلات الإنسان الكامل نائب الله في الأرض, فيقول:
"من ترابك ابن آدمياً وعمر للآدمي عالماً, فمضمون الحياة مكنون في العمل, ولذة التخليق هي قانون الحياة. انهض وكن خلاّقاً لعالم جديد, واحمل الشعلة ( 19م) في الصدر وأقدم كالخليل" ( 20) .
وتزداد حدة الانفعال عند إقبال, ليصل إلى مرحلة الصراع بين السماء والأرض, ويظهر تفوق الإنسان القادر على إعادة صياغة الحياة من جديد, فيقول:
"وإذا لم تسر الدنيا على مرامه, فليدخل في حرب مع السماء, ويهدم صرح الموجودات, ويمنح الذرات تركيباً جديداً" (21 ) .
ويظهر إقبال إيماناً كبيراً بمفهوم التطور, وقد أخذ بنظرية الانتخاب الطبيعي أو الصفات المكتسبة حيث قال عن تطور مفهوم الوحي:
"الوحي صفة عامة من صفات الوجود, وإن كانت حقيقته وطبيعته تختلفان باختلاف مراحل التدرج والتطور, في الوجود, فالنبات الذي يزكو طليقاً في الفضاء, والحيوان, الذي ينشئ له تطوره عضواً جديداً, ليمكنه من التكيف مع بيئة جديدة" ( 22) .
ويصف لحظات التطور, من خلال الشوق, فيقول:
"في كل لحظة يكون طور جديد, ووميض التجلي جديد, فيا إلهي ليت مرحلة الشوق لا يكون لها نهاية قط" (23 ) .
ويشارك إقبال الرومي أفكاره, وقد قال الرومي, يصف التطور:
"إن حياتي هي في ترق مستمر, بدأت من تراب متحلل, تمر بمراحل المعادن والنبات والحيوان, ثم وصلت إلى محطة الإنسان" (24) .
وقد قال إقبال, فيما ينقله عن الرومي, في قوله عن النبي صلى الله عليه وسلم
"إن العالم كله سوف يتوه فيه"فيتجاوز إقبال كلام الرومي هذا, ليقول عن رضاء الإنسان:"في رضائه تتوه مرضاة الحق, فكيف يتقبل الناس هذا القول؟!!" ( 25) .
صيغة التعجب من وضع إقبال, لأن إقبالاً يؤمن بأن الذات واحدة, ولا يتعجب من هذا القول, فالإنسان مشارك بصنع وتطوير هذا الكون, يقول حول ذلك:
"من ثم فليس الكون فصلاً مستكملاً, وإنما هو في سبيل تكوينه, ولا يمكن أن تكون ثمة حقيقة كاملة عن الكون, لأن الكون لما يصبح"كلاً متكاملاً"ومازالت عملية الخلق مستمرة, يسهم الإنسان بنصيبه فيها, بقدر ما يساعد في إيجاد التنظيم في قسم من هذا الهيولي" ( 26) وقد تبنى جودت هذه الفكرة أيضاً.
ولقد استغرق إقبال في مفهوم العشق المشهور عند الصوفية الحلولية, وهو في معنى الفناء في الوجود, والاتصال والاتحاد, فيقول:
"من لحاظ العاشق ينشق الحجر, وآخر العشق الحق بلوغ الحق بتمامه" ( 27) .
ويمثل إقبال لهذه الحالة باستخدام تعابير ومصطلحات الصوفية, فيقول:"يصبح التراب بعشقه قرين الثريا" ( 28) .
ويقول عن وصول الذات: