فهرس الكتاب

الصفحة 20231 من 27364

وهذه الذات قادرة على الانتشار بامتصاصها ليس فحسب عناصر الكون, بل بقدرتها على امتصاص الصفات الإلهية, والتخلق بأخلاق الله, ومن ثم تكتسب القدرة على خلافة الله في الأرض" (5 ) ونحتاج أن نشير إلى حقيقة أساسية, وهي أن الخلافة المذكورة هنا ليست خلافة عن الله, فالله لا يحتاج إلى خليفة, والآية واضحة, ولا تؤدي هذا المعنى, يقول تعالى: ( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة) {البقرة: 30} "

جاء تفسير هذه الآية في سورة أخرى خلال قوله تعالى: ( هو الذي جعلكم خلائف الأرض ) وغير ذلك من الآيات التي تشير إلى هذا الموضوع.

وأما رأي إقبال, فهو يقصد أن الخلافة هنا تمثل النيابة الإلهية, وهذه تتفق مع مفهومه عن الذات بأنها واحدة, ولها مظاهر شتى كما وصفها بالأنا الكبرى والأنا الصغرى, ولا يغيب عنا أن أصل هذه الفكرة قائمة عند اليهود والنصارى, قال تعالى: ( وقالت اليهودُ عزيرٌ ابن الله وقالت النصارى المسيحُ ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئِون قول الذين كفروا من قبل) {التوبة: 30} .

وأصل هذه النظرية عند الفلاسفة أيضاً, أن الوجود واحد, ومنه كانت المخلوقات عن طريق الفيض (6 ) .

ولقد انتقلت هذه الأفكار عن طريق الفلسفة إلى القدرية, وظهرت بأوضح صورة عند غلاة الصوفية من جماعة الاتحاد والحلول. مثل الحلاج والرومي وابن عربي.

ولقد أعطى إقبال الإنسان منزلة إلهية, كنائب للحق في الأرض باعتباره ينتمي مع الله إلى ذات واحدة.

وها هو يصف الإنسان:"بل إنه في الحقيقة سيد مصيره, وهو محور الحياة, وهدفها المطلق, ويمكنه أن يكيف حياته بحيث يرتفع إلى تلك الذرى التي يتساءل فيها الله -سبحانه وتعالى- عما يريده الإنسان قبل أن يتم التقدير" ( 7) .

1-يلتقي إقبال في هذه الفكرة مع المعطلة من القدرية الذين يعتبرون الإنسان سيد مصيره ومالكاً لحريته المطلقة, بل يتجاوز إلى وحدة الوجود.

2-في تصوير إقبال لله تعالى, كأنه يجهل أهداف الإنسان, وفي هذا تشويه لمفهوم علم الله الشامل لما كان ولما سيكون.

3-وهو يلتقي بهذه الفكرة مع محمد شحرور الذي يعتقد أن علم الله على قسمين: أحدهما حقيقي والآخر احتمالي (8 ) .

وقد تعرضت لهذه الموضوعات بإسهاب عند الحوار مع جودت سعيد ولا نحتاج لإعادتها ويعتبر إقبال الإنسان نائب الحق في الأرض, فيقول:"فإن نائب الحق مثله كمثل الروح للعالم, ووجود ظل للاسم الأعظم, فهو مطلع على رموز الجزء والكل وهو في الدنيا قائم بأمر الله" ( 9) .

ويبالغ إقبال في وضع مواصفات الإنسان الكامل على الطريقة القدرية الصوفية الحلولية:

"ويكون للنوع الإنساني بشيراً ونذيراً, فهو جندي وقائد وأمير, إنه مقصود علم الأسماء, وهو سر: سبحانه الذي أسرى... فمن عصا يده البيضاء هو ملم, والقدرة الكاملة توأم لعلمه, وعندما يمسك ذلك الفارس العنان باليد يزداد فرس الزمان بالإسراع, وتجعل هيبته النيل جفافاً, ويحمل إسرائيل من مصر, ومن"قوله"قم تنبعث الأجساد من القبور, وتصبح موات الدنيا مثل الصنوبر في الخميلة, وإن ذاته جبير لذات العالم, ويعطي لهذه الرؤيا تعبيراً جديداً" ( 10) .

وقد ظهر هذا الانحراف في تصوير الله بأنه يماثل الإنسان, في عقائد اليهود والنصارى, وانتشر بين الفلاسفة, وقد أخذ بهذا القول ابن عربي وأتباعه من الحيلولة, حيث يقول ابن عربي في فص (حكمة إلهية, في كلمة آدمية) :"لما شاء الحق سبحانه من حيث أسماؤه الحسنى التي لا يبلغها الإحصاء, أن يرى أعيانها وإن شئت قلت: أن يرى عينه في كون جامع, يحصر الأمر كله, لكونه متصفاً بالوجود ,وسره إليه."

فإن رؤية الشيء نفسه بنفسه ما هي إلا قبل رؤية نفسه من أمر آخر يكون له كالمرآة" ( 11) ."

ثم قال:"فكان آدم عين جلاء تلك المرآة, وروح تلك الصورة, وكانت الملائكة من بعض قوى تلك الصورة التي هي صورة العالم, المعبر عنه, في اصطلاح القوم, بالإنسان الكبير" ( 12) .

ثم عبر ابن عربي عن صورة الإنسان كما فعل إقبال:

"فسمى هذا المذكور: إنساناً وخليفة, فأما إنسانيته, فلعموم نشأته, وحصره الحقائق كلها, وهو للحق بمنزلة إنسان العين من العين.. فهو الإنسان الحادث الأزلي, والنشء الدائم الأبدي" (13 ) .

ثم قال:"فما صحت الخلافة إلا للإنسان الكامل, فأنشأ صورته الظاهرة من حقائق العالم وصوره وأنشأ صورته الباطنة على صورته تعالى" (14 ) .

ويقول ابن عربي في موضوع الصفات, ويستخدم أسلوب التورية:

فإن قلت بالتنزيه كنت مقيداً

وإن قلت بالتشبيه كنت محدداً

وإن قلت بالأمرين كنت مسدداً

وكنت إماماً في المعارف سيداً

فمن قال بالإشفاع ( 15) كان مشركاً

ومن قال بالإفراد كان موحداً

فما أنت هو ( ) بل أنت هو ( 16) وتراه في

عين الأمور مسرحاً ومقيداً (17 )

ولا يختلف إقبال في إبراز هذه المعاني عن ابن عربي أو الحلاج أو جلال الدين الرومي.

ولقد اهتم إقبال بإبراز شخصيته, ونسب إليها مظاهر التقديس الإلهي, كما فعل أقطاب الصوفية المشهورين, حيث ادّعوا أعمالاً خارقة, وحالات غريبة, كالطيران في الهواء أو السير على سطح الماء, أو الاتصال بالملأ الأعلى, ولم يخرج إقبال عن هذه القاعدة !.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت