فهرس الكتاب

الصفحة 22078 من 27364

الحرية في الديمقراطية تُعبَّد العبيد للعبيد، فتجعل العبيد منقادين لعبيد ربما يكونون أقل منهم شأناً، يُشرَّعون ويُقنَّنون ويُحرَّمون ويُحلوَّن لهم، وليس على الآخرين إلا الطاعة والاستسلام والانقياد، والخضوع ..!

فأي حرية هذه مع العبودية للمخلوق ؟!

بينما الحرية في الإسلام تعمل على تحرير العباد ـ كل العباد ـ من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد وحده سبحانه وتعالى .

فعبادة العبد لخالقه وحده عزٌّ، وفخر، ورفعة، وشرف ما بعده شرف، بينما عبادته للمخلوق العاجز الضعيف ظلم، وذلّ، وضياع وعذاب ما بعده عذاب!

الحرية في الديمقراطية تُخضع الإنسان لكثير من المؤثرات والضغوط الخارجية التي تفقده كثيراً من حرية الاختيار والتفكير: ضغط الإعلام بجميع فروعه وتخصصاته ووسائله، ضغط إثارة الشهوات ووسائل اللهو بجميع أصنافها وألوانها .. وما أضخمها وضغط الحاجة والسعي الدؤوب وراء الرزق والكسب ، ضغط سحرة الساسة والأحبار والرهبان ومدى تزويرهم للحقائق، وضغط المخدرات والمسكرات المنتشرة في كل مكان، وأخيراً التلويح باستخدام عصا الإرهاب والتهديد الجسدي والمادي لمن يستعصي على جميع تلك الوسائل والضغوطات، ولا يستعصي عليها إلا من رحمه الله .. وقليل ما هم!

فهذه الضغوط والمؤثرات تسلب المرء صفة حرية الاختيار، والتفكير، واتخاذ المواقف التي يريدها ويرضاها بعيداً عن تلك المؤثرات الخارجية المصطنعة التي يصعب الفكاك منها، فتسلبه حريته، وإن زعم بلسانه أو ظهر للآخرين بأنه حر !

لذلك نجد طغاة القوم ومستكبريهم وأحبارهم ورهبانهم، لا يحتاجون إلى مزيد عناء عندما يريدون من شعوبهم أن تسير في اتجاه دون اتجاه ، أو يريدون حملهم على استعداء جهة دون جهة ، أو على اختيار شيء دون شيء ، إذ يكفي لتحقيق ذلك أن يُسلطوا عليهم قليلاً من تلك المؤثرات والضغوطات الآنفة الذكر، ولفترة وجيزة من الوقت!

وهذه الضغوط والمؤثرات هي المعنية من قوله - تعالى-: ( وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَاداً وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الأغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (سبأ:33) .

ليس مكر الليل وحسب، أو مكر النهار وحسب، بل هو مكر الليل والنهار وعلى مدار الوقت، بحيث لا يُعطى المرء منهم لحظة واحدة يخلد فيها للراحة والهدوء والتفكير .. حتى لا يهتدي إلى الحق، ويعرف أين هو من الصواب !

بينما الحرية في الإسلام تحرر المرء من جميع تلك المؤثرات الخارجية التي تقلل من حريته وحرية اختياره وقراره، وربما تسلبها كلها لتعيد إليه جميع قواه النفسية والجسدية والمعنوية ، وترفع عنه جميع الأغلال والقيود، ثم تقول له بعد ذلك: اختر الذي تريده (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ) .

الحرية في الديمقراطية تمر بصاحبها على الجيف المتآكلة، وعلى القبائح وعلى والأمراض وعلى الفساد ، وعلى كل ما يُفسد الذوق الجميل والطبائع السوية، فتجرئه على الشذوذ والاعتداء والإدمان على ذلك!

ومثله كمثل الذي يقود سيارة بلا كوابح، أو ضوابط، أو مراعاة لحقوق طريق أو مار، .. فيصطدم بالجميع .. ويمر على الجميع .. ويعتدي على الجميع!

بينما الحرية في الإسلام ، تمر بصاحبها على كل ما هو جميل أو طيب ، كما أنها لا تسمح له أن يتعدى ذلك، ليمر على الخبائث والجيف والأمراض فتحافظ على سلامة ذوقه، وتفكيره، وصحته، وإيمانه .

ومثله كمثل الذي يقود سيارة بكوابح وضوابط ، ينطلق حيث ينبغي الانطلاق، ويقف حيث ينبغي التوقف، ويُعطي كل ذي حقٍّ حقه من غير إفراطٍ ولا تفريط.

الحرية في الديمقراطية تظهر وكأنها منحة يمُّن بها الإنسان على أخيه الإنسان فيعطيه منها ما يشاء ويسلبها منه متى يشاء!

بينما الحرية في الإسلام حق وهبه الله - تعالى- لعباده، وفطرهم عليه ،لا منة فيه لمخلوق على مخلوق، لا يجوز أن يُسلب أو يُنتقص منه شيء إلا بإذن الله ، وبسلطانٍ بينٍ منه سبحانه وتعالى .. يتجسد هذا المعنى في مقولة عمر بن الخطاب رضي الله عنه لبعض أمرائه:"متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً".

هذه هي الحرية في الديمقراطية ، وهذه هي الحرية في الإسلام .. فأي الفريقين أولى بالحرية، والسلامة، والحق ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت