فهرس الكتاب

الصفحة 19620 من 27364

ظلت (القدس) مربط الفرس والنقطة الأصعب في المفاوضات، ومنذ إعلان (أوسلو) وحتى الآن، استطاعت إسرائيل أن تغرس مخالبها وأنيابها في محيط الأقصى، وتوج ذلك بقرار مصادرة 53 هكتاراً من الأراضي المحتلة لبناء مستوطنات جديدة، واليوم فإن إسرائيل تفتخر وتعلن أن القدس مدينة يهودية؛ فسكانها اليهود يمثلون 75% من مجموع السكان في ظل سياسة مزدوجة بتهجير سكانها المسلمين عبر جعل الحياة المعيشية لا تطاق (50 ألف غادروها خلال السنوات الماضية) ، أو عبر إعطائهم الجنسية الإسرائيلية وبعض المميزات التي تكفل ولاء هؤلاء لدولة صهيون.

إسرائيل تعلن بكل وقاحة على لسان (بنيامين بن العازر) وزير الإسكان: (بأنها ستصادر 120 هكتاراً لبناء ثلاثين ألف وحدة سكنية، لأن الأمر يتعلق بالصراع على مستقبل القدس ولا يمكن لأي شخص أن يملي على إسرائيل موقفاً حيال تصرفها على أراضيها التي تقع تحت سيادتها في القدس) .

ومقابل التنفيذ الفعلي لسلب القدس وسرقتها وتهويدها: لا تجد التيارات الفلسطينية من رد فعل سوى جعجعة مؤتمر قمة سرابي سرعان ما تبخر بعد أن أعلنت إسرائيل (تجميد) قرارها، فقرر الأشاوس (تجميد) مشاعر الأمة وإلهاءها بصراعات جانبية تساهم في تخفيف درجة حرارة الشعوب الملتهبة!!

لقد انتهجت الصهيونية سياسة ثابتة تجاه مدينة القدس منذ عام 1948م حيث صادروا في البداية ثلث مساحة المدينة، وبعد عام 1967م صادروا ما يقارب 80% من مساحتها، ومنذ اتفاق (أوسلو) حتى الآن استمرت إسرائيل في المصادرة والسرقة بمعدل 1081 دونماً شهريّاً بعد أن وصل إلى 232 دونماً أيام مؤتمر مدريد.

لقد أعلن (فريح أبو مدين) في 12/5/1995م (أن السلطة الفلسطينية تشعر بعجز اتفاق(أوسلو) وقصوره ولا سيما بالنسبة لقضيتي الأسرى والقدس) ومبارك علينا هذا النبأ السار بأن هناك (شعوراً) لا يزال يسري في أوصال السلطة الوطنية مقابل المخطط الصهيوني المستمر!!

استمر الاستيطان اليهودي في فلسطين منذ الاتفاق حتى الآن، ولابد أن نذكر أن بعض سماسرة السلام ونخاسته كانوا يطلّون علينا صباح مساء حاثين العرب على السلام مع إسرائيل قبل أن ينتهي البرنامج الاستيطاني اليهودي وتختفي الأرض التي تخضع للتفاوض والانسحاب.

وصدق البعض النخاسة، وردد أركان معسكر التطبيع هذه الشعارات، لكن (رابين) أصر على أن يلطمهم لطمة أخرى حين استمر في برنامج الاستيطان دون اعتبار أو احترام لاتفاق (أوسلو) ، وهي بشهادة مراقب محايد: عملية استمرت بنفس الوتيرة رغم التصريحات الوثيرة! (فقد تحولت المستعمرات اليهودية في عهد(رابين) إلى وحدة واحدة، تلك الأَمنية وأختها السكانية، وهو قد وعد بأن تبقى المستوطنات الأمنية فقط!! بل إنه طوّر سياسته لتصبح القدس ومحيطها أكبر مستوطنة، بحيث تمتد المدينة المقدسة إلى الشرق حتى البحر الميت، وإلى الغرب مروراً بمستوطنة (متسبيه يريحو) ، وشمالاً إلى رام الله عبر مستوطنة (بيت إيل) وإلى الخليل جنوباً، مما يعني اقتطاع أهم المناطق وعزل (الهر) العرفاتي وقطع أوصال الضفة الغربية إلى جزئين: مهم، ومقدس، يمثل معظم مناطق الضفة المحيطة بالقدس، وأخرى تتركز فيها كثافة سكانية عربية يتولى عرفات وزبانيته سومها بالحديد والنار، ومما يدفع إلى هذا: أن إشارات من عرفات بدأت تبرز مؤخراً تدلل على قبوله برام الله مقراً دائماً لسلطته الخنفشارية..!

استمر الإذلال المعيشي للشعب الفلسطيني، ووصلت الأوضاع الاقتصادية إلى أسوأ مستوى لها مقارنة بوضع الفلسطينيين حتى أيام الاحتلال.

الأرقام تقول إن معدلات البطالة فاقت نسبة 60%، وأن دخل الفرد وصل إلى مستوى أنجولا وبنغلاديش، وأن رجال عرفات من أفراد السلطة وجيشها منهمكون في عمليات إتجار غير مشروعة في كل شيء من العقار وحتى تجارة (...) ، وقبل أسابيع ألقي القبض على رجل شرطة قتل زميلاً له ليبيع سلاحه من أجل أن يأكل... هذا حال السلطة المحظوظة، فما حال الشعب؟ حاله لا يسر، لكن المأزق كبير، ويكفي أن عرفات لم يجد ما يدفعه لأفراد سلطته وجيشه إلا بعد أن وصله شيء من المساعدة التي وعدته بها الدول المانحة والتي أحجمت عن ضخ مزيد من الدعم، خصوصاً بعد أن تبين لها أن الفساد يزكم الأنوف، وأنه في الوقت الذي تعيش فيه غالبية الفلسطينيين فقراً مدقعاً: تتمتع قمة الهرم بترف وثراء غير مشروعين، وقد نقل مراسل محطة التلفزيون الأمريكية حنق الشارع في غزة من تصريحات (سها عرفات) بأنها لا تثق بالخدمات الصحية في غزة، ولذا: فإنها وضعت مولودتها في إحدى أرقى مستشفيات باريس!! وكأن فرنسا وحدها ـ دون سائر البلاد العربية والغربية ـ هي التي تملك خدمات صحية يوثق بها!، أم إن الثقة المفقودة هي في الجنسية الفلسطينية، لذا: لزم ضمان جنسية أخرى (يُعتز بها!) للمولودة الجديدة، وذلك بولادتها على الأرض الفرنسية (حق الأرض، حسب القانون الفرنسي) ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت