ظهر الانحياز الأمريكي في أبشع صوره خلال الفترة الماضية، فأمريكا تخلت عن باقي مظاهر الحياد و (المكياج) الخادع، وأعلنتها صريحة أنها تساوي إسرائيل، وأن إسرائيل تساوي أمريكا، وقد قامت أمريكا بدور مكشوف وقح في دعمها لإسرائيل في مصادرة أراضٍ مقدسة، وصوتت وحدها في مجلس الأمن لصالح اليهود، وأصبح زعماء الديمقراطيين والجمهوريين يتنافسون في كسب ود الصهاينة، ولم يصل الحال إلى درجة أن يزايد الأمريكيون حتى على الإسرائيليين أنفسهم إلا في هذه المرحلة؛ ففي السابق: كان الصهاينة يطرحون طلباتهم، فتلبي أمريكا الطلب بطيب خاطر، أما الآن: فإن (روبرت دول) مرشح الحزب الجمهوري يطالب بنقل السفارة الأمريكية للقدس فيتمنى عليه (رابين) التمهل والانتظار.. (لقد ثبت الآن بعد تصريحات كلنتون في مؤتمر(إيباك) أن الأمريكان أكثر تطرفاً من (رابين) وأنهم صهيونيون أكثر من الصهاينة) كما قال (ماكلرم رديتش) المعلق البريطاني.
ماذا بعد؟
في يوم واحد صدرت عدة تصريحات، وبثت تقارير تستحق الإشارة إليها، خصوصاً أنها صدرت في ساعات قليلة بعد يوم واحد من الإعلان الأخير.
فقد أعلنت قيادة حزب ليكود أن الاتفاق الهزيل مع عرفات يمكن إلغاؤه، فقال زعيم الحزب (نيتانياهو (: إن الأمن في المناطق الفلسطينية يجب أنه يظل في أيدي اليهود، وإن قواته لن تؤمر بغزو غزة وأريحا(قوات عرفات أكثر كفاءة في قمع الفلسطينيين) وأشار إلى أن عرفات سيبقى مسؤولاً عن جزيرتين مكتظتين بالسكان دون دعم فعلي من إسرائيل.
وأعلن (ياسر عبد ربه) مدير الإعلام العرفاتي: أن محادثات نقل السلطات إلى الفلسطينيين لم تحرز تقدماً، وأن الجانب الآخر يدفع بنا إلى الانسحاب من هذه المفاوضات الجهنمية.
وزير العدل الإسرائيلي يقترح ضم قسم من الضفة الغربية، وأشار تقرير لصحيفة (ها آرتس) أن برنامج حزب العمل سيسمح لسلطة عرفات في النهاية بالإشراف على 18% من مساحة الضفة الغربية فقط!
في الساعة نفسها: بثت وكالة الأنباء أن مستوطنة يهودية جديدة قد بوشر في بنائها بين (القدس) و (تل أبيب) .
بعدها بساعتين: أنباء عن فشل اللجنة الرباعية الخاصة ببحث عودة نازحي عام 1967م... أما نازحو 1948م فليسوا على قائمة البحث.
تقارير من (تل أبيب) و (لندن) عن بدء نشاط جديد بين سلطة عرفات وجهاز المخابرات الإسرائيلي (شين بيت) والذي اتفق عليه قبل ثلاثة أشهر في (روما) مهمته الأولى: إسكات الصوت الإسلامي المعارض للهزيمة، والركوع تحت اللافتة المكررة (محاربة الأصولية) ...
هذه الأصولية هي الصوت الباقي، الصوت الضعيف المطارد الذي يدافع بأسلحته العتيقة وإيمانه الوقاد كل هذا الباطل المتبجح المغرور وتلك العمالة التي يأبى الله إلا أن يفضحها مع مطلع كل يوم يشرق بنور العودة إلى الله، فتظهر على حقيقتها: تجعجع بكونها سُلطة، بينما تثبت الأيام أنها أوراق وزعامات ومكونات جمعت في طبق يذكر بسَلطة لا تثير الشهية أو الرغبة في المضي قدماً لتناول وجبة الاستسلام السامة!