فهرس الكتاب

الصفحة 7752 من 27364

هل يصحو أخيراً جمهور الناخبين؟ وهل يُنتظر لحملات المعارضة التي يتبارى في دعمها بالحقائق والأرقام المرشحون أن تطرح مشكلة الخداع السياسي ما هو أخطر منها على مستوى الأخلاق العامة للقادة التي تأتي في رأس التقاليد الاجتماعية، ونعني بها مشكلة الكذب الشخصي لمن يفترض فيه أن يكون ممثلاً للصالح العام والقيم على رعايته، ذلك موضوع آخر يتخطى العادات السيئة المعتادة للحياة الدبلوماسية، وما قد تسمح به من التلاعب التكتيكي تحت صيغة المناورات المقبولة إلى حد ما في ملعب العلاقات الدولية، شرط أن يظل فن المناورة ملتحفاً غطاء ما يسمى بالمصالح العليا للدولة الحديثة، غير أنه عندما تصل الأمور إلى حد انقلاب هذه المعادلة بحيث تبلغ المناورة مستوى الكذب والافتراء على مصالح الدولة ومعها مجتمعها لتحقيق أغراض شخصية تتعلق بالفئة الحاكمة وحدها عندئذ وفي هذه الحالة يغدو الكذب مضاداً تماماً لأبسط قواعد الشرعية القانونية، ولا بد أن يخرج مرتكبه من دائرة السياسة مهما كان علو مقاماتها، ليدخل تحت طائلة القضاء وأعرافه المبدئية، والسوابق في هذا السياق ماثلة في الذاكرة الجماعية، في الأمس القريب فقط أرغم الرئيس كلينتون على الاعتراف بالكذب حول علاقته بموظفة في البيت الأبيض، والقيام بمراسم الاعتذار العلني أمام الكونغرس والمجتمع في وقت واحد، رغم أن فعلة الرئيس بقيت أقرب إلى صفة الجنحة الشخصية، لكنها تنال بالطبع من خصال الرئيس المطلوبة في مقامه.

أما الإطاحة المدوية بالرئيس نيكسون فقد استحقها لا لكون الرئيس قد ارتكب خطأ سياسياً أضر بالمصلحة العامة المؤتمن عليها، بل لأنه كذب عندما أنكر معرفته بالتنصت على رجال الحزب المعارض له خلال تجديد رئاسته الثانية، وهنا كذلك تنهض المعصية الأخلاقية ما فوق قواعد اللعبة التنافسية المتعارف عليها قانونياً، فالحديث عن (غيت عراقي) لم يعد تمنياً مكتوماً بقدر ما أضحى موضوع الساعة إعلامياً حتى الآن.

هذا لا يبرئ (تقاليد) الكذب الأنغلو أمريكي أنه كان ملح الأيديولوجيا الاستعمارية التي ترثها أمريكا راهنياً عن جدتها بريطانيا العجوز مؤسسة الإمبراطورية الاستعمارية الأولى والكبرى في العصر الحديث، لكنه كان دائماً ذلك الكذب الموجه نحو خداع الآخر، المتمثل في عشرات الشعوب الآسيوية والإفريقية المغلوبة على أمرها، والمؤلفة لكيان تلك الإمبراطورية التي ينبغي ألا تغرب عنها الشمس، ما أن تمنح شرف الانضمام إلى تاج الإمبراطورية لتنعم بأفضل التمدين الإنكليزي، ونبالته الأسطورية.

فالكذب في حقبة الاستعمار التقليدي كان يتقنع بأيديولوجيا التمدين، ورسالة الإنسان الأبيض، كان كذباً أيديولوجياً موجهاً إلى الشعوب الأخرى، ومسوغاً لعبوديتها، لكن العهد البوشي يرتكب كلاً من الكذب الأيديولوجي والخداع الأخلاقي في وقت واحد، وهما موجهان إلى الداخل الأمريكي وإلى الخارج العالمي معاً أيضاً، هنالك بالطبع أولاً حجة أسلحة التدمير الشامل التي صورها بوش وعصبته للشعب الخارج من صدمة الحادي عشر من أيلول/سبتمبر كما لو أن العراق سوف يصبها على رأسه، ولا يحتاج صدام حسين من أجل تحريكها إلى أكثر من خمس وأربعين دقيقة فقط، إنها الأكذوبة المسوغة والمولدة لأفظع شرور العالم ضد بعضه، وهي الحرب وفي شكلها الأشد بربرية عندما تكون عدوانا على شعب محاصر جائع لكنه متمسك بتراث أقدم حضارات الإنسان على هذه البسيطة، ثم أن الأكذوبة الكبرى تتساقط معالمها الواحدة بعد الأخرى، وتتهافت مبرراتها علي يد المحققين من مجتمعها بالذات، ويتم هذه المرة ضبط موروث الكذب الأنغلو أمريكي في أعلي جولاته وأخطرها، ولدى قطبيه الأعظمين بلير وبوش، ومن لندن وواشنطن تعصف سجالات الاتهامات الصارخة داخل الطبقة السياسية الحاكمة نفسها في الاستعمارين القديم والمعاصر.

في الماضي كان الكذب الأيديولوجي يرفع شعارات التمدين، وأصبحنا اليوم مرغمين على تصديق أيديولوجيا التحرير الديمقراطي تحت طائلة حروب الغزو والتدمير المنظم الشمولي للدول ومجتمعاتها وحضاراتها، وقد انتقل بوش وعصبته وهو في قفص الاتهام من التشبث بأكاذيب أسلحة التدمير إلى التغطية على كل تلك المرحلة البائسة وذلك بتوسيع أيديولوجيا التحرير الديمقراطي من شرق أوسط ينداح حول مستنقعي الاحتلال من فلسطين إلى العراق، لكي تشمل (شرقاً أوسطاً أكبر) يمتد من الأطلسي والمغرب إلى حدود الهند، كأنما لم يعد أمام بوش وعهده مهدداً بعدم التجديد - وبما هو الأسوأ أيضاً - إذ قد تفتح الهزيمة السياسية الطريق أمام القانون لمقاضاة (مجرمي الحرب) الذين كذبوا وخدعوا وورطوا شعبهم والعالم وشعب الضحية الأولى في العراق الشهيد المستديم، وكانت الورطة هي أكبر من مجرد خطأ في التقدير السياسي، وأشد فداحة من معصية الكذب اللاأخلاقي نفسه، لتصبح أخطر سلاح تدمير شامل حقاً وواقعاً، موجه إلى صميم عصر المدنية لكل الإنسانية، وردها إلى بربرية التقاتل العبثي من جديد في ظل إمبراطورية الجشع والنهب المعمم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت