فهرس الكتاب

الصفحة 4844 من 27364

المأخذ الثالث: ونقصد به ما أكدناه في حلقة سابقة من مركزية التجربة الغربية ونموذجيتها. ولعل المقارنة التي استعان بها الجابري كانت قاصدة، وإن ألغت السياق التاريخي، فالمشروع نقدي، والعقل بآلياته وتصوراته يحتاج إلى مراجعة شاملة. فالميزة التحليلية والتركيبية للعقل لا تعني سوى تمثل نفس السياق الغربي وإعلان الثورة الكنطية من داخل الثقافة العربية الإسلامية بما يعني إقصاء كل من يساهم في إضفاء الطابع المعياري على العقل، ولا يتحقق ذلك سوى بإبعاد الوحي من ساحة تشكيل العقل وبناء قواعده ووسائل اشتغاله. من هنا تظهر خطورة التأسيس المعرفي للعلمانية الذي يسعى الجابري عبر الإيبستمولوجيا إلى إثباته.

المأخذ الرابع: إن مقاربة العقل العربي لا يمكن أن تتم بذكر النصوص الشارحة لمادة (ع. ق. ل) . أتصور أن هناك منهجان لتحديد مفهوم العقل:

الأول: استقراء دلالات العقل من داخل مصادر المعرفة العربية الإسلامية ابتداء من القرآن والسنة...

الثاني: اشتغالية العقل العربي نفسه، ذلك أن مفهوم العقل العربي لا يمكن معرفته من خلال التحديدات المعجمية، وبعض السياقات الكلامية، وإنما من خلال صور اشتغال العقل وتجليات النشاط الذهني.

وبهذين المنهجين يمكن أن نخلص إلى ما يمكن من خلال رصده وتحليله إطلاق الأحكام عليه.

وجهة نظر حول المعيارية:

يبدو أن مسألة المعيارية تحتاج إلى نوع من التحديد، فكثيرا ما يكون الاختلاف في الدلالات باعثا على الاختلاف في الأحكام. فالجابري يرى أن النظرة المعيارية نظرة اختزالية تختصر الشيء في قيمته، وهي عنده ذلك الاتجاه في التفكير الذي يبحث للأشياء عن مكانها وموقعا في منظومة القيم الذي يتخذها ذلك التفكير مرجعا له ومرتكزا. وإذا شئنا أن نعلق تعليقا بسيطا على هذا التحديد، لا ينبغي أن نلغي التحديد الآخر للنزعة الموضوعية التي وسم بها الجابري العقل اليوناني والعقل الأوربي. فقد استعان بهذا التقابل أو التضاد والتمايز كأداة منهجية لبيان مفارقات العقلين. وإذا كانت النزعة الموضوعية هي التي تبحث في الأشياء عن مكوناتها الذاتية، وتحاول الكشف عما هو جوهري فيها، فالنزعة المعيارية لا تهتم بهذا الموضوع، بل كبير همها هو البحث في قيمة الشيء. وقبل أن نسجل بعض المآخذ على هذا المنهج وهذه الأحكام نضع أمام القارئ مقدمتين نستعين بهما:

المقدمة الأولى: قد يبدو للقارئ من خلال التدقيق في المقابلة الواردة في تحديد الجابري أنه لا تعالق ولا ارتباط البتة بين البحث في قيمة الشيء وبين البحث في مكوناته الذاتية للكشف عما هو جوهري فيه، كما أنه لا توافق البتة بين النزعة الموضوعية والنزعة المعيارية.

المقدمة الثانية: الفكر العربي في نظر الجابري ينطلق من الأخلاق إلى المعرفة، بينما العقل الإغريقي والأوربي ينطلق من المعرفة إلى الأخلاق. ففي حالة الفكر العربي لا ينصب التفكير حول اكتشاف العلاقات التي تربط بين ظواهر الطبيعة بعضها ببعض، وبالتالي اكتشاف نفسه من خلالها، وإنما مهمة التفكير ووظيفته وعلامة وجوده هي حمل صاحبه على السلوك الحسن ومنعه من إتيان القبيح.

والظاهر أن المسألة لا بد فيها من توضيح لطبيعة التصور الإسلامي. فخلق الإنسان ومعرفة الغاية من وجوده أمران محددان لطبيعة التفكير داخل التصور الإسلامي. فمن خلال العلاقة بين أصل الوجود وغاية الوجود تبرز صفة التسخير وقضية الاستخلاف. فالكون كله مسخر للإنسان، ولا استخلاف ولا عمارة دون معرفة هذا الكون بظواهره، ومعرفة العلاقات التي تحكمها ومحاولة تفسيرها لاستثمارها في اتجاه الغاية الاستخلافية، وبناء على هذا التصور، فالمعيارية لا تعني سوى غائية محفزة للتفكير في اتجاه عمارة الأرض والاستخلاف فيها، فهناك تعالق وارتباط كبير بين الوجود والمعرفة والقيم. فتفسير أصل الوجود وغايته يبعث على المعرفة، والقيم محفزة للتفكير ومحددة لأخلاقه وضوابطه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت