فهرس الكتاب

الصفحة 4845 من 27364

إن السياق الحضاري الغربي وخلفية الصراع التاريخي الذي تحكمت في تطور العقل الأوربي جعلت من مسألة الطبيعة منطلقا لاكتساب كل المعارف بما فيهل الأخلاق نفسها، والقيم لا يمكن تلمسها من بحث قوانين الطبيعة، ذلك أن الطعن في مصداقية الدين المسيحي لم يكن له من معنى سوى إعادة النظر في جميع مفاهيمه وتصوراته التي تشكل العقل الغربي وفقاً لها وعلى قاعدتها، وحيث إن أصل الوجود وغايته ومسألة القيم والأخلاق قضايا لا يمكن الاستغناء عن إعطاء أجوبة بصددها، فلم يعد هناك من مصدر لتلمسها في التجربة الغربية سوى الطبيعة نفسها ما دام الدين قد خرج من ساحة الصراع السياسي منهزما أمام المد التحرري اللائكي. أما في التصور الإسلامي، فالتفسير الذي يعتمده القرآن لمسألة أصل الوجود وغايته يبعث الإنسان على التأمل والتفكير في المسخرات لامتلاك معرفة بالكون تسمح بحسن الاستثمار والعمارة لأداء وظيفة الاستخلاف الرباني. والقيم الأخلاقية هي ذلك الباعث على التفكير أولا، المحدد لأدائه، الضابط لمساره واتجاهه. أما منهج التفكير فشيء ملتمس من المسخرات. أما النصوص فلا تقدم سوى المقدمات والمبادئ والتوجهات العامة المفروض الانضباط لها.

ولعل استقراء آيات القرآن ونصوص الحديث، ورصد صور اشتغال العقل العربي يؤكد هذا المعنى. ولهذا فالحكم الذي قرره الجابري، والمقابلة التي أجراها تعتبر غير ذات معنى في غياب التأكيد على سياق التطور التاريخي للعقل الغربي، وخلفية الصراع قبل عصر النهضة.

نعم هناك مجال واسع يشتغل فيه العقل العربي الإسلامي، ويكون فيه التفكير منصبا على حمل الإنسان على السلوك الحسن ومنعه من السلوك القبيح، وهذا المجال له موقعه داخل حقل التفكير الإسلامي، وداخل الرؤية الإسلامية وداخل التصور الإسلامي. فمهمة الاستخلاف بقدر ما تحتاج إلى إعمال العقل لاكتشاف الكون وظواهره ومعرفة العلاقات التي تربط بينها وتفسيرها بقدر ما تحتاج أيضا إلى تزكية الإنسان وحمله على الالتزام بقيم الدين. فنظام الحياة لا يستقيم فقط بالمعرفة، ولكنه أيضاً يتقوم بالأخلاق والقيم. والتصور الإسلامي لا ينفي وجود منهج أصيل ومؤصل يستعين بالكون لمعرفة أصل الوجود ولمعرفة القيم أيضا. غير أن هذا المنهج هو منهج واحد إلى جانب مناهج كثيرة ينبغي أن تكون كلها متضافرة تسهم كلها في بناء المعرفة. وهذه هي طريقة القرآن عند التأمل والنظر، إذ لا يقصر المعرفة على طريق واحد مادامت المسالك صحيحة، والبراهين داعمة.

والخلاصة التي انتهينا إليها بعد هذه المآخذ أنه لا يمكن بحال تحديد العقل العربي في غياب تحديد منطلقات التصور الإسلامي والرؤية العامة التي يشتغل داخل سقفها العقل العربي الإسلامي.

والجابري محكوم كما سبق الإشارة بمركزية التجربة الغربية، ونموذجية الاختيار الحضاري الغربي، ولهذا فقد غيب الإطار العام الذي يشتغل فيه العقل العربي الإسلامي، وهذا التغييب هو الذي دفعه إلى إلغاء مجال كبير لاشتغال العقل العربي الإسلامي: مجال النظر في الكون والكشف عن ظواهره والعلاقات التي تحكمها وتفسيرها، وأيضا مجال النظر في التجربة الإنسانية عبر التاريخ والنظر في النفس البشرية لاكتشاف قوانين التاريخ والاجتماع والنفس. أعتقد هذا مجال واسع، بل مجالات تم تغييبها، وهي عند النظر والتأمل والدراسة تكشف عن الطابع الموضوعي التركيبي للعقل العربي الإسلامي.

نتابع في الحلقة القادمة بإذن الله، الحديث عن مقولة"الأعرابي صانع الحضارة"، لنتناولها بشيء من النقد والتحليل، ونذكر ملاحظاتنا على التأسيس الأصولي للعلمانية.

العلمانية وخطرها

الشيخ الدكتور سفر بن عبدالرحمن الحوالي

الحمد لله القائل: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيرا ً [الفرقان: 31] وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد القائل: {تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك} .

وصلى الله وسلم وبارك على آله وصحبه وأتباعه إلى يوم الدين...وبعد:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت