قال البغوي في التفسير 3/285: (فإن قيل إنهم لم يعبدوا الأحبار والرهبان - بمعنى الركوع والسجود - قلنا: معناه أنهم أطاعوهم في معصية الله واستحلوا ما أحلوا، وحرموا ما حرموا، فاتخذوهم كالأرباب.
وعن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: أتيت رسول ا صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب، فقال لي: (يا عدي اطرح هذا الوثن من عنقك) ، فطرحته فلما انتهيت إليه وهو يقرأ: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله} ، حتى فرغ منها قلت: إنا لسنا نعبدهم، فقال: (أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتستحلونه) ، قال: قلت بلى، قال: (فتلك عبادتهم) اهـ.
فتأمل كيف فسر صلى الله عليه وسلم تحاكمهم إلى الأحبار والرهبان من دون الله، وطاعتهم لهم في تشريعاتهم التي تتضمن تحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله، أنه عبادة من المتحاكم إلى المتحاكَم إليهم وهم هنا الأحبار والرهبان.
أما الأحبار والرهبان في مسألتنا، الذين يُعبدون من دون الله يتمثلون في أعضاء مجالس النواب أو الشعب الذين يتصدرون مهمة التشريع، والتحليل والتحريم بغير سلطان من الله تعالى، ويُتابعون على ذلك من الناس من دون أي إنكار!
وكذلك قوله تعالى: {إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون} [يوسف: 40] ، أي أمر ألا تعبدوا إلا إياه في التحاكم، هذا ما يقتضيه سياق النص، فكما أنه لا معبود بحق سواه سبحانه وتعالى كذلك لا حاكم بحق سواه، فله وحده سبحانه وتعالى الخلق والأمر، لذلك فهو وحده المستحق للعبادة دون أحد سواه.
قال سيد رحمه الله في الظلال 4/1990: (إنّ الحكم لا يكون إلا لله، فهو مقصور عليه سبحانه بحكم ألوهيته، إذ الحاكمية من خصائص الألوهية، من ادعى الحق فيها فقد نازع الله سبحانه أولى خصائص ألوهيته؛ سواء ادعى هذا الحق فرد أو طبقة، أو حزب، أو هيئة، أو أمة، أو الناس جميعاً في صورة منظمة عالمية. ومن نازع الله سبحانه أولى خصائص ألوهيته وادعاها فقد كفر بالله كفراً بواحاً يصبح به كفره من المعلوم من الدين بالضرورة، حتى بحكم هذا النص وحده) .
وقال: (حين نفهم معنى العبادة على هذا النحو - وهو الدينونة لله وحده والخضوع له وحده، واتباع أمره وحده - نفهم لماذا جعل يوسف عليه السلام اختصاص الله بالعبادة تعليلاً لاختصاصه بالحكم، فالعبادة - أي الدينونة - لا تقوم إذا كان الحكم لغيره) اهـ.
وما يوضح كذلك دخول التحاكم في معنى العبادة، تفسير أهل العلم لمعنى العبادة، حيث قالوا: العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله تعالى من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة... ولا شك أن مما يحبه الله تعالى تحاكم العباد إليه ظاهراً وباطناً دون أحدٍ سواه.
وشاهدنا من هذا التقديم الضروري أن يدرك القارئ أن التحاكم عبادة، وأن العبادة لا يجوز أن تُعطى لغير الله تعالى، والعبادة حتى تقبل لا بد أن يتوفر فيها شرطان: أولهما، الموافقة والمتابعة لهدي الكتاب والسنة. والثاني: إخلاص العبادة لله تعالى، وتجريدها من أدنى درجات الشرك والرياء.
كما قال تعالى: {فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً} [الكهف: 110] ، وقال تعالى: {الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً} الملك: 2].
قال ابن تيمية رحمه الله: (وهو كما قال الفضيل بن عياض رحمه الله:(أخلصه وأصوبه، فإن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل حتى يكون خالصاً صواباً، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة) اهـ.
وعليه فإننا نقول: من حكم بما أنزل الله طاعة لله تعالى وامتثالاً لأوامره، ونزولاً عند إرادته سبحانه وتعالى - وليس نزولاً عند إرادة الشعب أو الأكثرية أو أي سلطة غيرها - طالباً بذلك مرضاته سبحانه وتعالى ، فهو وحده الذي يوصف بأنه حكم بما أنزل الله، ومتى كان الأمر على غير هذا النحو والوصف لا يصح ولا يجوز أن يُسمى النظام أو الحكم نظاماً أو حكماً إسلامياً، كما لا يجوز أن يُسمى الحاكم بذلك الحكم بأنه حكم بما أنزل الله.
يقول سيد قطب رحمه الله: (هذه الحتمية، حتمية التلازم بين دين الله والحكم بما أنزل الله، لا تنشأ فحسب من أن ما أنزل الله خير مما يضع البشر لأنفسهم من مناهج وشرائع وأنظمة وأوضاع، فهذا سبب واحد من أسباب هذه الحتمية، وليس هو السبب الأول ولا الرئيسي، إنما السبب الأول والرئيسي والقاعدة الأولى والأساس في حتمية هذا التلازم هي أن الحكم بما أنزل الله إقرار بألوهية الله، ونفي لهذه الألوهية وخصائصها عمن عداه...
وهذا هو الإسلام بمعناه اللغوي الاستسلام وبمعناه الاصطلاحي هي كما جاءت به الأديان: الإسلام لله، والتجرد عن ادعاء الألوهية معه، وادعاء أخص خصائص الألوهية، وهي السلطان والحاكمية، وحق تطويع العباد وتعبيدهم بالشريعة والقانون.