فهرس الكتاب

الصفحة 8286 من 27364

بعد السعودية ومصر جاءت سوريا في التصنيف السيئ، ليس ديمقراطياً بل بسبب رعاية الإرهاب، وهنا تحديداً تبرز حقيقة اللعبة، فالرئيس الأمريكي عندما يوجّه عصا الضغط والابتزاز نحو هذه الدول العربية الثلاث، فهو إنما يطالب الوضع العربي بمزيد من التراجعات على صعيد الملف الفلسطيني والعراقي؛ لأن تراجع هذه الدول لا بد سيعني تراجعاً عربياً شاملاً. فهذه الدول هي التي وقفت بتعاونها المشترك بعد أوسلو في وجه المشروع الشرق أوسطي الذي طرحه بيريز والذي يُعاد إنتاجه اليوم بمُسّمى آخر، هو الشرق الأوسط الكبير.

والحال أن الإصلاح الحقيقي القائم على تعزيز المشاركة الشعبية والتعدّدية الحقيقية والحريات الواسعة التي تعزّز انتماء المواطن لنظامه وبلده، ومن ثم لأمته، هذا اللون من الإصلاح ليس هو المطلوب، إن لم يكن مرفوضاً؛ لأنه بكل بساطة يقوّي الجبهة الداخلية، ويحول دون التراجع أمام إملاءات الخارج.

ما يجري إذن هو عملية ابتزاز يستجيب لها النظام العربي، وإلا فما معنى المبادرة إلى فك عزلة شارون، على رغم أنه لم يغير أياً من مواقفه؟ فلا هو شطب تحفظاته على خريطة الطريق، ولا تراجع عن التمسك بوعد بوش الذي وضع سقفاً بائساً لمفاوضات الوضع النهائي؟ ثم ما معنى أن يعلن بوش أنه ليس في وارد التفكير في جدولة انسحاب قواته من العراق؟ و ما معنى تصعيد الضغوط على سوريا في لبنان وسكوت النظام العربي عليها، فضلاً عن مواصلة الضغط على السعودية ومصر في ملفات كثيرة داخليّة وخارجيّة؟

ما يجري يتطلب مراجعة حقيقية، فاستمرار الاستجابة للعبة الابتزاز المُشار إليه ليس حلاً، والأصل هو تمتين الجبهات الداخلية لمواجهة الضغوط، وإذا لم يحدث ذلك فإن الابتزاز سيكون بلا حدود، وهو ابتزاز يطال الهوية والجغرافيا والمصالح وكل شيء، كما أن الوضع الدولي ليس بذلك السوء الذي يستحق كل هذا الخوف، ولعل في تمرّد دول أمريكا اللاتينية وعودة المناكفة الأوروبية الرافضة لنجاح المشروع الأمريكي في العراق، ومعها التحركات الروسية لاستعادة النفوذ الدولي، لعل ذلك كله يشكل نافذة لتغييرات حقيقية في المشهد الدولي، تعيد له قدراً من التوازن. و لا شك أن استمرار النزيف الأمريكي في العراق سيكون سبباً رئيساً في إحداث هذا التحول المتوقع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت