وتعاني إيران حاليا من صراع متبادل بين عدة أطراف ، فهناك الصراع الشيعي الشيعي بين المحافظين والإصلاحيين ، أوالصراع بين الليبراليين العلمانيين والدينيين ، وهناك الصراع مع الأكراد ، ومع السنة ، ويعاني المجتمع الإيراني من تمزق هائل بين مختلف الأطراف التي تبدو إلى الآن متوازنة في درجة قوتها ، وإن كان معدل تنامي الرفض للدولة الدينية في نموذجها الإيراني يبدو ملمحا إلى المصير الحتمي بنشأة صراع داخلي قد يصل إلى مستوى انتفاضة شعبية شاملة أوحرب أهلية ..
ومن الظواهر اللافتة التي تؤكد هذا التوجه الجرأة الإعلامية المتزايدة على نقد نظام الملالي ، وكان المثال الأبرز مؤخرا الفيلم الشهير"مارمولك"أو"السحلية"وهو فيلم يقدم رؤية تفكيكية ساخرة لنموذج رجل الدين الذي يحكم إيران ، ويدعو الفيلم في فكرته الفلسفية إلى الربط بين خلفية النشأة والحياة لرجل الدين وبين مظهره الخارجي ، ويقدم نتيجة منطقية مؤداها أن هذا النموذج المشوه لا يصلح لحكم إيران ، وقد شاهد الفيلم حتى الآن عدد يقدر بالملايين ، وفي دور السينما فقط شاهده أكثر من نصف مليون إيراني ، وتباع أقراص DVD على الأرصفة في طهران ، وشوهد عد كبير من الملالي يقف في طوابير ليشاهد الفيلم في دور السينما ..
وقد أبرز الفيلم الفجوة الهائلة التي تنمو في أوساط الإيرانيين من حيث النظرة إلى رجل الدين الشيعي ، فهناك فريق المتدينيين الذي يعتبر هؤلاء"ملالي"يستحقون التبجيل والتقديس والطاعة ، والفريق الآخر من الشعب متأثر بالثقافة الغربية يعتبرهم"سحالي"يستحقون السخرية والإبعاد عن حكم البلاد والعباد ، فهو إذن صراع بين رؤيتين وبين ثقافتين ، يحمل كلاهما جمهور شيعي ، صراع بين السحالي والملالي ..
ونحن عندما نتهم الولايات المتحدة بالسعي لتفكيك إيران واقعيا وسياسيا ، فذلك ليس نقلا حرفيا من مصادر أمريكية تعترف بذلك رسميا ، وإنما هو استنباط واستشراف للأطماع الأمريكية الاستعمارية من خلال دلائل ومؤشرات لا يمكن التغاضي عنها ، ويجب أن نضع في اعتبارنا أن تفاعل المقاومة في العراق يمثل عقبة كبرى في سبيل تنفيذ الرؤية الأمريكية ، وأن إيران لها مصلحة عظمى في إغراق أمريكا في المستنقع العراقي لأنها تعلم جيدا أنها - وليس سوريا - تأتي تاليا على القائمة الأمريكية ، ولكن هذا الارتباك الأمريكي في العراق لا يعني أن إدارة بوش لا لا تمضي قدما في تهيئة الميدان الإيراني لمرحلة الصراع المقبلة ، فهناك ملامح كثيرة للتدخل الأمريكي الخفي في إيران سعيا لتفكيك النظام بدون تدخل عسكري ، على الأقل في المراحل الأولية ..
ونحاول في هذه الدراسة أن نفكك الواقع الإيراني - نظريا - لنتمكن من فهم المخطط الأمريكي لتفكيك إيران واقعيا ، وسوف تتضمن الدراسة المحاور التالية:
1-الشعب الإيراني ينقسم إلى فسيفساء قابلة للانهيار في أي لحظة ، فهناك فسيفساء التوجهات السياسية والمذاهب الاجتماعية وفسيفساء الأعراق وفسيفساء الأديان ..
2-هناك فئات متغربة تنمو بقوة في أوساط الشباب وترتبط في جذورها وروافدها الفكرية مع الثقافة الغربية أكثر من ارتباطها مع ثقافة الملالي والثورة الإسلامية ..
3-فساد الملالي المالي والأخلاقي ( الخمس والمتعة ) واستغراقهم في الصراعات الحزبية والنخبوية ..
4-الصراع السياسي بين المحافظين والإصلاحيين وآثاره على المدى البعيد ، وأهمها فرز الشعب الإيراني ضد نظام الملالي ..
5-المحافظون يفتتون بأنفسهم مشروعية الثورة الإسلامية بالتدريج ..
6-أين أهل السنة في هذه التركيبة المعقدة ..
7-هناك فئات من الشعب لا تزال تؤيد نظام الملالي وتدعمه بقوة انطلاقا من تعصب للمذهب الشيعي ..
8-تنامي الدور الخارجي - الأمريكي - في التأثير في الشؤون الداخلية الإيرانية ( مثال: قدرة النظام أصبحت محدودة في قمع أي انتفاضة شعبية ، إذ كثيرا ما تتخذ الإجراءات القمعية كذريعة للتدخل في الدولة من قبل القوى الدولية ) ..
9-ما هي احتمالات نجاح المخطط الأمريكي ، وماذا يحدث لو تفككت إيران ؟ ..
"*" ( راجع في ذلك مجلة البيان عدد مقالة: الدول الإسلامية بين التفكيك والتقسيم ، للكاتب )