فهرس الكتاب

الصفحة 5549 من 27364

لقد شن ريمون لول حرباً صليبية في القرن الثالث عشر ضد الرشدية ، والرشدية عنده تساوي الإسلام ، وهدم الإسلام كان حلم حياته السعيدة وبلغت أهمية ريمون لول منتهاها بين سنتي 1310 و1312م على الخصوص حيث تنقل في أوربا مفنداً ابن رشد ومحمد ( ، وقد اقترح على كليمان الخامس إيجاد منظمة حربية جديدة لهدم الإسلام ، وإنشاء كليات لدراسة العربية ، والحكم على ابن رشد وأتباعه( ) .

وأما بترارك فقد بلغ به الحقد على العرب والمسلمين أن شن مقاطعة اقتصادية وثقافية لكل ما هو عربي وإسلامي ، فيرفض أن يتعاطى أي دواء عربي ، أو يحمل اسماً عربياً ، ويقول لصديقه:""أرجو منك فيما هو خاص بي ألا تعتمد على عربك ( ) وأن تعدهم كأنهم لم يكونوا ، فأنا أمقت هؤلاء القوم وأعرف أن بلاد الروم ( ) أنجبت علماء وبلغاء وفلاسفة وشعراء ورياضيين وخطباء ، وهناك ولد الطب أيضاً ، وأما أطباء العرب فعليَّ أن أعرف من هم ، وأما أنا فإنني أعرف شعراءهم فلا يمكنني أن أتصور من هو أكثر منهم تخنثاً وارتخاء وهجراً ... ولا أكاد أُحمل على الاعتقاد بإمكان صدور ما هو صالح عن العرب ، ومع ذلك فبأي حق لا أدريه أيها العلماء تغمرونهم بمدائح لا يستحقونها"". ثم يصف من يمدح العرب بحضرته بأنه كمن يطعنه بخنجر أو يلسع قلبه بقراص ( ) .

إن هذا النص بالإضافة إلى كشفه عن مدى الحقد الصليبي الذي امتلأت به قلوب بعض خدام الكنيسة ، فهو يلفت النظر أيضاً إلى المدى الذي بلغته الثقافة الإسلامية في امتلاكها لناصية الحضارة والعلم ، واجتذابها لتعاطف الأعداء قبل الأصدقاء .

إن العاملين الذين ذكرناهما وتحدثنا عنهما إلى الآن كلاهما أسهما في شهرة الفكر الرشدي وذيوعه وانتشاره ، فالتعاطف مع الحضارة الغازية من جانب الراغبين في التحرر من الاحتكار الكنسي للعلم والثقافة ، والاضطهاد الكنسي للفكر الرشدي ومحاربته والسعي إلى قمعه ونفيه جعل لهذا الفكر أنصاراً أو جماهير ، ولكن كان للعامل الثاني الدور الأساس في بلورة الصورة الرشدية في أعين الغرب ، وتحديد صفة هذا الفكر وذلك بوصمه بالإلحاد والكفر والزندقة ، لتجعل منه الكنيسة ممثلاً للعرباوية - أي العرب - الذين سعت دائماً إلى اعتبارهم ملحدين كفرة ( ) . وذلك ليكون الإلحاد وافداً من الشرق الإسلامي ، بقصد تجييش الغرب الذي لا تزال السيادة فيه للمسيحية - ضد الإسلام - وإذكاءً لبواعث الحقد والكراهية الصليبية .

ولم يجد التيار العقلاني الناهض المتأثر بالعرب والمتعاطف معهم أي غضاضة في هذه الصورة التي رُسمت لابن رشد وفكره بل إنها تُقبِّلت بترحيب ، واستُخدمت كسلاح مضاد للكنيسة والسلطات الكهنوتية بعكس ما أرادت هذه السلطات ورغبت .

وهكذا يكون ابن رشد افُتريَ عليه مرتين الأولى: من قبل الكنيسة . والثانية: من قبل التيار المناهض لها، وأُريد له أن يكون ملحداً زنديقاً من قبل الطرفين، واتخذته الرشدية اللاتينية التي بدأت تتصادم مع الكنيسة غطاءً لأفكارها التحررية، وستاراً لدعوتها العلمانية ( ) .

هذا التوظيف الغرضي ( ) للفكر الرشدي ساعد في الواقع على بروز ابن رشد كرائد للعقلانية في مواجهة القمع والاضطهاد الفكري الكنسي ، فبدأت تتزايد ترجمات كتبه إلى اللاتينية تزايداً هائلاً حتى لم تكد تمر سنة فيما بين 1480 م و 1580 م دون ظهور طبعة جديدة لإحدى تلك الترجمات ( ) . وطوال عدة قرون تالية درست أوربة فلسفة أرسطو من خلال عيني ابن رشد ، واحتلت الرشدية مقام السيادة في الجامعات الغربية الكبرى ( ) مثل جامعة"بادوفا"في إيطاليا التي أصبحت معقل الرشديين فيما بعد ( ) .

ثم توسع انتشار الأضاليل الرشدية - على حد تعبير المسيحيين المحافظين - حتى وجدت لها صدى في الجامعة الباريسية حتى يمكن القول إن رسائل توما الأكويني ، وألبرت كانت موجهة شخصياً ضد أساتذة باريسيين تأثروا بالرشدية ( ) وهو ما يبدو واضحاً في رسالة لتوما تحمل عنوان"ضد الرشدية الباريسية" ( ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت