فهرس الكتاب

الصفحة 5550 من 27364

والذي يبدو أن الرشدية أصبحت في ذلك الوقت كالعلمانية اليوم معياراً - لدى جماهيرها- للثقافة والتحضر والرقي ، فلا بد لكي يُعد الباحث من المثقفين واسعي الإطلاع أن يتشدق باسم ابن رشد ، ويتفوه ببعض أفكاره لقد أصبحت الرشدية في نظر المحافظين"ابتلاء بالتشرق"على غرار"الابتلاء بالتغرب" ( ) الذي نحاربه اليوم ، وغدت ثقافة دارجة لدى الطبقة الراقية في البندقية ( ) ، حتى أن الذي لا يتبنى الرشدية ، ولم يطلع عليها يعتبر تقليدياً أو ظلامياً أو رجعياً على غرار ما هو سائد اليوم لدى العلمانيين المتغربين ، نستشف ذلك من حديث بترارك مع أحد الرشديين إذ يستشهد الأول أثناء حديثه بالقديس بولس ، فيعبس الرشدي ازدراء ويقول:""احتفظ لنفسك بهذا النوع من المعلمين وأما أنا فلي معلمي ، وأعرف من أعتقد"". ثم يتابع الرشدي قائلاً:""أيه ! إبق نصرانياً صالحاً ، وأما أنا فلا أؤمن بواحدة من جميع هذه الأساطير ، ولم يكن بولسك ، وأوغستنك - أوغسطين - وجميع هؤلاء الناس الذين تقيم لهم وزناً غير ثرثارين ، آه ! ليتك كنت قادراً على مطالعة ابن رشد ... فتبصر مقدار ما هو أعلى من جميع هؤلاء المجّان"" ( )

إن هذا النص فيه دلالات متعددة فهو يكشف عن المدى الذي بلغه الفكر الرشدي في السيطرة على عقول الطبقة المثقفة ودفعها في طريق المواجهة للثقافة التقليدية التي يمثلها كل من بولس وأوغسطين وبترارك ، ولكن علينا أن لا ننسى أن مثل هذا الكلام لم يكن يمكن المجاهرة به لأن ذلك يؤدي إلى الموت ، كل ما في الأمر أنه حوار شخصي يدور بين بترارك وأحد زائريه في منزله .

إن النص يكشف أيضاً عن جهل بترارك باللغة العربية التي يكتب بها ابن رشد ولذلك فإن الرشدي يتحسر لأن بترارك لا يمكنه قراءة ابن رشد مباشرة ، وقد سبق لنا قريباً أن نقلنا نصاً يوضح احتقار بترارك للعرب ولغتهم وحضارتهم . والله أعلم .

فكرة الحقيقة المزدوجة:

لقد شجع الفكر الرشدي الغربيين على الجرأة الجدلية في مواجهة - لا أقول الكنيسة وإنما بعض القائمين عليها ممن يُطمأن إليهم ، ويؤمن جانبهم ، ولكن لم يصبح هذا شائعاً في كل الأوساط ، وإنما كان محاولات فردية تحاول أن تفلت من سلطان الكهنوت الكنسي ، ورقابة البابا .

ولكن الأمور كانت تسير لصالح الرشديين ، فلم يمض قرنان من الزمان حتى أصبحت الأضاليل الرشدية ( ) التي كانت تتحاشى العلانية ، ويتم تداولها سراً وبحذر ، أصبحت في أوائل القرن السادس عشر فلسفة جميع إيطاليا الرسمية تقريباً ( ) ، وأمسى كل التنويريين والوجهاء يتسابقون في تبني الفلسفة الرشدية الإلحادية التي أريد لابن رشد أن يمثلها إن بحق وإن بباطل -كما أسلفنا - فقد أصبح أغلب المثقفين يعتقدون أن الجحيم من اختراع الأمراء والرؤساء ، والصلوات والقرابين من اختراع الكهنة والأحبار ، وكل ما تمتلئ به الكتب المقدسة ما هو إلا أقاصيص وخرافات . ( )

وهكذا فقد كان من آثار الرشدية أن جرأت الناس في الغرب على إعادة النظر في معتقداتهم ومسلماتهم . وأدى ظهور المطبعة في القرن الخامس عشر ( ) إلى انتشار الأفكار المناهضة للكنيسة والعقائد الشائعة ، كما استطاع الأفراد أن يمتلكوا نسخاً من الكتاب المقدس ، ويقرؤوه بأنفسهم بعد أن كان اقتناؤه وتفسيره حكراً على الكنيسة ورجالها . وبهذا الشكل بدأت الكنيسة تفقد سلطانها على العقول والأفكار ، وبدأ زمام الأمور يفلت من يدها ( ) .

غير أنه إذا كان الفصل بين العلم والدين ، والقول بالنسبية المطلقة هو من أهم خصائص العلمانية ، وأجلى مظاهرها في العصر الحديث ، فإن ذلك يعود تكريسه في جانبه الأكبر إلى الرشدية اللاتينية ، ونُسب ذلك طبعاً لابن رشد ، إن القضية الأصل المثارة هنا هي ما سمي"بالحقيقة المزدوجة"أو"الحقيقة ذات الوجهين"والتي أروم إلى اعتبارها الأساس الأول للعلمانية ، والمسمار الأول في نعش الكنيسة ( ) .

وتعني - الحقيقة المزدوجة - أنه يمكن أن يكون الشيء صادقاً فلسفياً خاطئاً لاهوتياً أو العكس ، وبذلك يصبح الفيلسوف حراً في المجاهرة بآرائه ونتائجه في مجال الفلسفة بحجة أنه فيلسوف وإن لم تكن مطابقة للاهوت ، وبذلك استطاع الفلاسفة أن يحصلوا على قدر من التسامح بوصفهم فلاسفة يعتبرون موضوعات الإيمان تتجاوز الفهم البشري وإن كانت نتائجهم الفلسفية تتعارض مع هذه الموضوعات . ( )

فهي فكرة -إذن - يراد منها استرضاء الكنيسة دون خسائر علمية أو فلسفية ، وعقد نوع من المهادنة بين الكنيسة والفلاسفة . ولقد عبر بترارك عن سخطه من هؤلاء الذين يفصلون بين الدين والفلسفة ولم يقبل هذه المهادنة ، لأنه يعلم أنها بداية النهاية بالنسبة لسلطان الكنيسة ، فالرشديون - كما يتحدث - إذا جاهروا بمجادلاتهم احتجوا بأنهم يتكلمون مع قطع النظر عن الدين ، إنهم يبحثون عن الحقيقة بنبذهم الحقيقة ، وإنهم يبحثون عن النور بإدارة ظهورهم نحو الشمس ، ولكنهم في السر لا يتركون مغالطة أو تجديفاً . ( )

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت