كله رائع وفخم وعلى قدر كبير من الحصافة والفطنة، ولكن كيف؟ متى وأين؟ تبقى كلها هائمة معلقة غائرة في كثافة الضباب، كيف يمكن لهذه العمومية المطلقة أن تحرر مشروع النهضة الحضاري المرتقب من عقاله، تفك أسره المزمن وتنتزعه من احتباسه وغيبوبته؟ كيف لها أن تخلص الأمة العربية من سلبياتها وتعبئ قواها، وتشحذ إمكانياتها ضمن منهجية وعقلانية ملائمة لمرحلتها التاريخية وتمايزها الإنساني والثقافي؟! كيف يكون للدهشة مكان؟ وأين يكمن موضع العجب؟! إذا أصبحت أمة كهذه تواجه أخطر مفاصل تاريخها بهذا القدر من الهلامية مستباحة لكل الانتهاكات، فاقدة لوعيها على مشرحة العالم والتاريخ، ومع ذلك فإن على وعينا أن يتصدى لشبكة الألغاز التي يقذفنا بها الالتفاف المفاجئ لمسار الاستراتيجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، فلا مجال لتخطي التساؤل عن مغزى أن تتم بسرعة فائقة زحزحة المنطقة من موقع الخصم الحضاري الذي ينبغي محاصرته إلى موقع الحليف المتوعك الذي ينبغي إحاطته بالعناية والحنو، من منطقة تنغرس جذور العداء للحرية والحضارة في عمق تربتها الثقافية، ونزوعها المتأصل، إلى منطقة تحمل (وعد) الحضارة في وطن الإنسانية المصانة والمحررة من همومها وأعبائها، وليس على الجواب أن يضرب بعيداً عن خارطة القوة، عن التبدلات المفاجئة بدورها وعن عملية الحراك السريعة التي شهدتها مواقع القوة في سنوات قليلة متتالية وسريعة، عن المياه الغزيرة المتدفقة تحت طبقة رقيقة لن تلبث أن تنبجس عن تيار هادر يعيد رسم مشهد علاقات القوة في العالم، ويعلن ميلاد العملاق الصيني وظهور الصين الصينية، لا الصين الماركسية، ولا حتى الصين الماوية، بل صين الصين التي لن تكون نسخة لأحد ولا صدى لصوت أحد، أو تابعاً متظللاً بعباءة أحد، هذه الصين المنبعثة على إيقاع سريع بعثرت في ضربة واحدة مرتكزات القراءات السابقة لمستقبل العالم المنظور، وأبرزت أمام الأمريكيين العيوب التي اتسم بها اختيارهم لخصمهم الحضاري الموهوم، الذي تلقفه الاستراتيجيون الأمريكيون بعد سبتمبر البغيض لإذكاء جذوة الحس الوطني وتعبئة روح الانتماء بعد اختفاء الخصم السوفياتي، وهو ما يمثل ضرورة استراتيجية لبلد يمتلك مشروعاً كونياً.
لقد حفل هذا الخيار بسلبيات خطيرة في بعدها الثقافي والإنساني وفي مستوى الاستجابة للتحدي الذي جرى افتعاله، من ناحية فإن هذا الخصم المفتقر إلى أبسط أبجديات الاستراتيجية والتخطيط، قد يستغرق الجهد الأمريكي ويستدرجه بعيداً عن تأكيد تفوقه التكنولوجي الحاسم، ويرغمه على الانخراط في الصراع وفق الشروط البدائية التي يتقنها، ويحد من تفاعله على مستوى المنافسة العالمية في حقول التقنية الفائقة، كما ينطوي الاختيار الخاطئ لهذا الخصم الحضاري على خطر تنامي النزعات الدينية المتطرفة واستقطابها المتسارع لقوى التمييز العنصري والعرقي، وأخطر من ذلك في الانتهاكات الجوهرية للدستور والحقوق المدنية التي أشاعت القلق في أوساط النخب الأمريكية من خلال القوانين التي أقرها الكونجرس فيما يشبه قوانين الطوارئ في دول العالم الموسوم بالتخلف.